رؤي ومقالات

د. أيمن منصور ندا يكتب :أن تكون محمد البرادعي

"البوب" الذي رأى متابعيه "لايصين كومبليتلي"!

(8 سبتمبر 2026)
في 2010 عاد إلى مصر رجلان من الخارج؛ أحدهما خيالي اسمه “مصري سيد العربي” (الفنان أحمد حلمي في فيلم “عسل أسود”)، والآخر حقيقي اسمه الدكتور محمد البرادعي.. عاد الأول من أمريكا، والثاني من فيينا، وكلاهما يحمل معه صورة لمصر تختلف كثيراً عن واقعها الحقيقي.. لكن “مصري” اكتشف سريعاً أن البلد لا يمكن فهمه من الخارج؛ فنزل إلى الشارع، وزاحم الناس، واختلف معهم، واضطر إلى مراجعة الصورة التي جاء بها.. وقرر، بعد معاناة، اختيارها وطناً والبقاء فيها.. أما البرادعي فظل طويلاً ينظر إلى مصر كمنتج خرج من المصنع مخالفاً للمواصفات؛ كان يعرف مواصفات الدولة القياسية ولكنه لا يعرف طريقة تصنيعها في مصر.. كان “مصري العربي” يعاني في البداية لخبطة فكرية، وظل البرادعي يعاني تلعثماً سياسياً حتى النهاية..
الدكتور محمد البرادعي هو رجل مؤسسات أكثر منه رجل سياسي.. وهذه ليست إدانةً لمسيرته الدولية؛ بل ربما كانت سر نجاحها.. فقد قضى الجزء الأهم من حياته في عالم توجد فيه المؤسسة قبل المسؤول، واللائحة قبل القرار، وتُعرف حدود السلطة قبل أن يبدأ الخلاف عليها.. كان بارعاً في القيادة المؤسسية؛ أما مصر بعد يناير فكانت تحتاج إلى نوع آخر: قيادة تأسيسية، لا تدير قواعد موجودةً بل تساعد في صنع القواعد نفسها وسط الفوضى والصراع.. هنا انقلبت إحدى مزاياه الرئيسية إلى عيب جوهري.. أفضل صفة في البرادعي الموظف كانت أسوأ صفة في البرادعي السياسي.. كان البرادعي ممتازاً عندما كانت أمامه لائحة يطبقها، و”ضعيفا جداً” عندما استدعى الأمر أن يكتب هذه اللائحة بما يناسب حالة مصر..
ومن هنا يمكن فهم “القيادة المشروطة” عند البرادعي.. كان مستعداً للقيادة ما دامت البيئة لا تفرض عليه ثمناً يتجاوز ما يقبله لنفسه ولموقفه.. انسحب من انتخابات 2012 لأن المسار لم يكن ديمقراطياً بما يكفي من وجهة نظره؛ لم يرفض الرئاسة لأنه لا يريدها، بل رفض الامتحان لأن قاعة الامتحان لم تكن مطابقةً للمواصفات، واللائحة لم تكن واضحة.. واستقال في أغسطس 2013 أمام قرار رأى أن بقاءه معه يتعارض مع موقفه الأخلاقي.. الموقفان مختلفان، لكنهما يكشفان ميلاً واحداً: كلما اتسعت المسافة بين الواقع ومعاييره من وجهة نظره، أصبح الخروج أقرب من البقاء، والهروب هو خياره الأسهل والأوحد.. كان البرادعي يريد إصلاح قواعد اللعبة قبل أن يلعب؛ بينما كانت مصر تحتاجه يلعب بالشروط الموجودة ويغيرها بعد ذلك.. أجاد البرادعي في إضفاء البراءة على مواقفه المتخاذلة.. ولم يكن قادراً على تحمل المسؤولية في وقت اقتضت الضرورة ذلك..
ويمكن تسمية هذا النوع من القيادة: “القيادة المعقَّمة”..وتعني الرغبة في ممارسة السياسة بعد التخلص من أكثر مكوناتها إزعاجاً، ومن مكوناتها الواقعية.. كان البرادعي يريد: دولة قانون، ودستور محترم، ومؤسسات مستقلة، وانتخابات نزيهة؛ هذه كانت ملامح الصورة (المثالية) للدولة، التي يعرفها البرادعي جيداً، ويعرفها غيره بالطبع، كما هي موجودة في الكتالوج.. لكنه لا يريد عمليات التصنيع السياسية الشاقة التي تؤدي إلى هذه الدولة: حلفاء متناقضون، وخصوم لا يمكن استبعادهم، وتنازلات، وأنصاف حلول، وناس لا يتصرفون وفق النموذج الموجود في الرأس.. أحب البرادعي السياسة كمنتج نهائي أكثر مما أحب عملية تصنيعها.. أراد البرادعي قيادة مصر بشروطه وعلى الجاهز، بينما السياسة تبدأ حين تقبل التعامل مع مصر بشروط مصر، وبعد دفع المهر المطلوب..
وربما ساعد على ذلك أنه لم يصعد إلى الزعامة درجةً درجة؛ بل جرى استدعاؤه إليها.. في فبراير 2010 خرجت قطاعات من النخبة لاستقباله في المطار كما لو أن “البديل المدني المُخلِّص” و”المهدي الغائب المنتظر” قد وصل أخيراً على الطائرة: نوبل، والوكالة الدولية، والسيرة النظيفة، والاعتماد العالمي.. كان ذلك أول امتياز وأول فخ.. “الرئيس المُستدعى”، و”الزعيم المطلوب” قد يظن أن نصف الطريق قد قُطع قبل أن يبدأ السير.. “اخترناك يا برادعي” كان أجمل هتاف استقبله، وربما أخطره.. وبدلاً من أن يشعر البرادعي بأنه مطالب بالذهاب إلى الناس وإقناعهم، شعر، بشكل أو بآخر، بأن عليهم هم أن يلحقوا به.. ومن يشعر أن البلد طلبه قد ينسى أن عليه، أولاً، أن يطلب ثقة البلد..
وهنا ظهر “التلعثم السياسي” واضحاً جلياً.. لم تكن المشكلة بين رأس البرادعي ولسانه؛ بل بين رأسه ورؤوس الآخرين… الفكرة عند البرادعي كانت واضحة، والنموذج مرتباً؛ لكن السياسة لا تختبر صحة الفكرة وحدها، بل قدرتها على أن تتحول إلى إرادة مشتركة: توافق، ثم تنظيم، ثم تحالف، ثم قرار.. في هذا الإطار كان البرادعي يتعثر، ويتلعثم، ويحدث له error.. كان يعرف الجملة الصحيحة، لكنه لا يعرف دائماً كيف يجعل الآخرين ينطقونها معه.. امتلك قاموس الدولة الحديثة، ولم يمتلك قاموس الطريق إليها.. عرف كيف ينبغي أن يتصرف المواطن والحزب والمؤسسة، لكن المصريين لم يكونوا مجلس محافظي الوكالة الدولية.. نجح البرادعي في إدارة الحوار مع منى الشاذلي بدون تلعثم، ولم يستطع إقامة حوار واضح مع عموم المصريين.. ولهذا ناسبت الإنترنت شخصيته السياسية المتلعثمة بصورة لافتة.. تغريدة مرتبة (يكتبها بنفسه أحياناً، ويكتبها بالنيابة عنه أحياناً أخرى إبراهيم عيسي!) وموقف محدد ومحدود، ومقابلة سريعة تخرج منها الفكرة بدون مشاحنات تنظيمية، أو جدال سياسي..
ولم تكن الفجوة بينه وبين الشعب فقط، ولم يكن الاتصال مقطوعاً بينه وبين الجمهور العادي وحده، بل كانت أيضاً قائمة بينه وبين دوائر النخبة الأقرب إليه.. كان الاتصال بينه وبينهم يتم “من وراء حجاب”، وكثيراً ما وُجد وسيط بين البرادعي وأعضاء الجمعية الوطنية للتغيير، وفق تصريحات كثير منهم.. وكان سفره المتكرر عائقاً إضافياً في وقت كان الداخل أشد احتياجاً إلى الحضور.. تحتاج السياسة مديراً مقيماً، لا خبيراً زائراً.. وتحتاج إلى الاتصال المباشر الطويل، وليس إلى “الفويس نوتس” القصيرة..
في توصيفه للحال المصرية، قال البرادعي لأخيه: “دول لايصين كومبليتلي يا علي”.. وكان التشخيص أبلغ مما ربما قصد.. فالقوى المدنية كانت بالفعل تائهةً، والخلافات تلتهمها؛ لكن البرادعي لم يكن مراقباً يصف الحالة، بل كان أحد أهم الرجال المطلوب منهم تغييرها.. أن تعرف أن البلد “لايص” موهبة تحليلية؛ أن تجعله أقل توهاناً هي السياسة.. وفي العبارة شيء من موقع النظر نفسه: الخبير يقف أمام الحالة، يشخصها، ويعرف أين الخطأ؛ أما القائد فمطلوب منه أن يدخل داخل الحالة ويصبح مسؤولاً عن علاجها.. وربما كان البرادعي أكثر راحةً في موقع الأول الخارجي الذي ينظر إلى (دول)!.. مشكلة البرادعي لم تكن أنه اكتشف أننا لايصين؛ بل أنه كان واحداً ممن انتظر منهم (اللايصون) أن يدلّوهم على الطريق..
كان الشباب يسمونه “البوب”، وأحب البرادعي اللقب؛ ربما لأنه منحه المكانة التي ناسبت علاقته بهم: الأب الروحي.. لكن الثورة لم تكن تحتاج إلى أبٍ روحي بقدر ما كانت تحتاج إلى قائد سياسي يجمع المتخاصمين، ويبني تنظيماً، ويبقى حين يصبح البيت مزعجاً، ويتحمل مسؤولية القرارات التي لا ترضي الجميع.. أحب البرادعي رتبة «البوب»، بينما اللحظة التاريخية كانت تعلن عن وظيفة شاغرة: “عم المجال كله”.. وكان “البوب” موجوداً ؛ لكن “عم المجال كله” لم يحضر..
لم تكن مخاطر المعارضة موزعة بالتساوي بين البرادعي وأنصاره.. كان هناك تفاوت كبير.. لم تكن للبرادعي حصانة قانونية، لكن نوبل والوكالة والشهرة العالمية صنعت له حصانةً معنويةً دولية؛ لا تمنع الخطر عنه، لكنها تجعل ضربه أغلى سياسياً وإعلامياً من ضرب ناشط مجهول.. دخل البرادعي المعارضة بسترة واقية نسجها له العالم؛ وبعض أنصاره دخلوها بقمصانهم، وخذلهم البرادعي (حادثة الشباب في الكويت مثالاً).. والزعامة الحقيقية تبدأ حين تصبح فاتورة الأنصار جزءاً من حساب القائد، لا خبراً يصل إليه..
ولم تكن “الجمعية الوطنية للتغيير”، و”جبهة الإنقاذ”، ثم “حزب الدستور” ثلاث مراحل في سيرة البرادعي بقدر ما كانت ثلاثة اختبارات للسمة نفسها.. في كل مرة كان أقوى كرمز منه كمنظم؛ اسمه يمنح الكيان الوهج، بينما يحمل آخرون كثيراً من العمل اليومي..كان البرادعي هو العلامة التجارية، بينما كان آخرون يديرون المصنع.. امتلك رئاسة الرمز، وترك لغيره صداع الإدارة؛ كان يحب أن يكون فوق التنظيم أكثر مما يكون داخله.. نجح البرادعي في جمع الناس حول اسم، وفشل في تحويل الاسم إلى مؤسسة..
وهنا يلتقي البرادعي بحمدين صباحي وعمرو موسى. الثلاثة مختلفون، لكن كلاً منهم أبقى جزءاً من صورته الشخصية خارج منطقة الخطر: حمدين حمى صورة المعارض، وموسى حمى الهيبة، والبرادعي حمى النقاء.. وفي السياسة لا تسأل فقط: ماذا تريد لبلدك؟ تسأل أيضاً: ماذا أنت مستعد أن تخسر من أجل ما تريده؟ كانت نوايا الرجال الثلاثة هي بناء وطن أفضل، لكنهم أرادوا أيضاً أن يخرج كل منهم من المعركة محتفظاً بصورته كاملةً.. وبدون خسائر.. أرادوا وطناً جديداً.. بشرط ألا يدفع أي منهم من رصيده الشخصي ثمن بنائه.. وهذه صفقة لا تمنحها السياسة؛ لا يمكنك طلب كل الأرباح مع تأمين شامل ضد الخسائر.. كان لدينا، شيء من الرئيس المدني الذي تحتاجه اللحظة، موزعاً على هؤلاء الثلاثة؛ لكن الأجزاء لم تُركَّب، والبديل لم يولد.. بسبب أطماعهم الشخصية، وقرارتهم الخاطئة..
وهنا تتسع دائرة المسؤولية لتشمل الأساتذة الدكاترة: عبد الجليل مصطفى، وحسن نافعة، ومحمد غنيم، ومحمد أبو الغار، وجورج اسحق، وغيرهم من رموز الحركة المدنية، كانوا أصحاب نوايا صادقة، وبذل كثير منهم جهداً وتحمّل كلفةً لا يجوز إنكارها؛ شاركوا في مقاومة نظام مبارك، ثم في مواجهة حكم الإخوان، ونجحوا بدرجات مختلفة في حشد الناس ضد ما يرفضونه.. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما أسقطته، بل بما استطاعت أن تضعه مكانه.. نجحت النخبة المدنية في هدم سقفين فوق رأسها، وفشلت في بناء بيت تسكنه بعدهما.. أسقطت ما لم ترده، ولم تُنشئ ما تريده؛ صنعت جبهات وتحالفات وبيانات ولحظات تاريخية، لكنها لم تصنع مؤسسةً تعيش أطول من أصحابها، ولا حزباً كبيراً يتسلم الراية حين يتقدم بهم العمر..
ولهذا فإنَّ الاعتراف بالفشل لم يعد إهانةً لهذا الجيل، بل آخر خدمة يمكن أن يقدمها للتجربة التي أفنى فيها سنواته.. نشكرهم على ما بذلوه، ونحترم صدق كثير منهم، لكنَّ الشكر لا يحوّل الفشل إلى نجاح، وحسن النية لا يبني مؤسسة.. كانت مهمتهم التاريخية ألا يتركوا لنا أسماءً نحترمها فقط، بل تنظيماً نستطيع أن نسلّمه لمن يأتي بعدهم؛ وما وصل إلينا، للأسف، كان سيرةً محترمة أكثر منه ميراثاً سياسياً قابلاً للاستعمال.. ومشكلة التيار المدني الحالية ليست أن آباءه يشيخون؛ المشكلة أنه لم ينجب أبناءً سياسيين.. وإذا ظل البديل هو الأسماء نفسها، فنحن لا نبني مستقبلاً؛ نحن نحفظ أرشيفاً..
في فيلم “عسل أسود” (لأحمد حلمي) كانت ” ميس ميرفت” مدرسة إنجليزي، لكن الإنجليزية نفسها لم تكن في أفضل أحوالها معها؛ تعلّم الأطفال أخطاءً بثقة صاحبة المهنة، ثم تنظر إلى “مصري سيد العربي”، العائد من أمريكا والأقدر منها على اللغتين، وتسأله “أنت مقيم ولا فيستور؟” وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به: مَن الذي لم يفهم لغة مَن؟ ربما لم تكن المشكلة أن المصريين لم يفهموا لغة البرادعي؛ بل كانت في أنه لم يتعلم عاميتهم السياسية بما يكفي.. ويبقى سؤال “ميس ميرفت”، بعد توجيهه إلى الدكتور البرادعي: “أنت مقيم ولا فيستور؟ شكلك فورنر!”.. مش كدة يا منى؟! عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى