
كتب:هاني الكنيسي
بمناسبة صدور مذكراته الجديدة أمس (الأربعاء)، تحت عنوان “في ملكوت الإنسان الأخير” In the Realm of the Last Man، يعود الفيلسوف والمفكر السياسي الأمريكي الشهير ‘فرانسيس فوكوياما’ Francis Fukuyama إلى اللحظة التي بدأت فيها قصته مع “نهاية التاريخ”؛ النظرية التي ارتبطت باسمه .. فينشر مقالا طويلا وعميقًا، لا لكي يتنصل من نظريته، بل لكي يشرح ما الذي كان يقصده فعلاً، ولماذا أسيء فهمها.
المؤكد أن أستاذ السياسة الدولية في جامعة ‘ستانفورد’، ذا الأصول اليابانية، البالغ من العمر 73 عاماً، احتاج إلى قدر هائل من الشجاعة ليكتب اليوم عن “التاريخ” الذي منذ أن أعلن “نهايته” قبل نحو أربعة عقود، لم تتوقف عجلته عن الدوران في اتجاه عكسي تقريبًا: عاد الدب الروسي إلى حرب كبرى في أوروبا، تصاعدت القوميات والتيارات اليمينية الشعبوية في أنحاء العالم، وعادت مفاهيم الإمبراطوريات إلى القاموس الدولي، انهارت دول، اشتعلت حروب أهلية، صعدت الصين، عادت المنافسة بين القوى العظمى، وراحت الديمقراطيات الليبرالية نفسها تتآكل من الداخل.
وكأن التاريخ قرأ مقال ‘فوكوياما’ الشهير قبل 37 عاما، ثم قرر أن يثبت خطأه.
ومع ذلك، فإن فوكوياما لا يعود اليوم إلى أطروحته الشهيرة ليعلن ببساطة أنه كان مخطئاً. وهذا تحديداً ما يجعل نصه الجديد أكثر أهمية من مجرد مراجعة لموقف فكري قديم.
يستهل الكاتب مقاله باستعادة اللحظة التي جلس فيها في منزل أهل زوجته بمدينة ‘لاس فيغاس’، في شتاء 1989 عندما كان العالم لا يزال يعيش بقايا أجواء الحرب الباردة، ليكتب مقالاً لم يكن يعرف، أنه سيصبح أحد أكثر النصوص إثارةً للجدل في الفكر السياسي المعاصر: هل انتهى التاريخ؟
كان ‘فوكوياما’ آنذاك يستعد لإلقاء محاضرة في جامعة شيكاغو، ضمن سلسلة حملت عنوان “انحطاط الغرب”The Decline of the West ، والذي كان يعبّر عن رؤية فلسفية تشاؤمية شاعت بشأن عجز الديمقراطيات الليبرالية الغربية.
وبالفعل، ألقى محاضرته التي حملت نبرة أكثر تفاؤلا عن “نهاية التاريخ”. وبعد أشهر قليلة فقط، سقط جدار برلين، وبعدها بعامين، انهار الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة، وبدا أن العالم يتجه بالفعل نحو ما وصفه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بـ”أوروبا كاملة وحرة. ومن ثم، لاقت نظرية ‘فوكوياما’ رواجًا وشعبية على مستوى العالم في تلك الآونة، قبل أن يتمرد التاريخ وتتحول الأحداث إلى الاتجاه المضاد (خصوصا في الشرق الأوسط ومع وقوع هجمات 11 سبتمبر) ليجد المفكر السياسي الشهير نفسه في مهب الانتقادات إلى حد السخرية من أفكاره عن “نهاية التاريخ” من منطلق نهاية الصراع بين النماذج الفكرية الكبرى واكتساح الديمقراطية الليبرالية كأفضل وأسلم نظام سياسي واقتصادي لا بديل له (متأثرًا بنظرية الفيلسوف الألماني ‘هيغل’ عن جدلية التاريخ وصراع الأفكار، وهو أول من استعمل مصطلح “نهاية التاريخ”).
واليوم، يعود ‘فوكوياما’ في كتاب مذكراته الجديد “في ملكوت الإنسان الأخير”، محاولًا تفكيك أطروحته القديمة واختبار حدودها التي أصبحت أكثر وضوحاً مع مرور الزمن.
في مقاله الأخير، يرى ‘فرانسيس فوكوياما’ أن “الإشراق الجيوسياسي” الذي أعقب سقوط جدار برلين وتشكيل أوروبا الحرة لم يكن نهاية المطاف، إذ ينطوي المشهد الأيديولوجي اليوم على تفتت أعمق وتحول في طبيعة التهديدات؛ فالخطر الحقيقي على الديمقراطية الليبرالية لم يعد يكمن في رفض مبادئ الديمقراطية نفسها أو في ادعاء فئة معينة حق الحكم الفطري – حتى في الخطاب الشمولي للحزب الشيوعي الصيني الذي يتحصّن بادعاء “تمثيل الشعب”، أو في مواجهة موجات القومية والعنصرية المتصاعدة في أوروبا- وإنما يكمن في “التآكل الداخلي لليبرالية” ذاتها عبر تقويض سيادة القانون والضوابط الدستورية على سلطة الدولة.
وهذا ما يضع العالم -في رأيه- أمام التناقض المعاصر الأخطر: إمكانية استغلال الأغلبيات المنتخبَة لشرعيتها الديمقراطية في تفكيك المؤسسات الحامية لاستمرارها. (الأمثلة عديدة على صحة منطق ‘فوكوياما’، وأبرزها سياسة الرئيس البرتقالي المعتوه الذي انتخبته الأغلبية في الولايات المتحدة).
وهنا، تتجلى المفارقة الداخلية في أطروحة ‘فوكوياما’ عن “نهاية التاريخ”، في كون الديمقراطية الليبرالية ما هي إلا “تسوية هشة” تنطوي على صراع دائم بين حكم الأغلبية وتقييد سلطتها؛ إذ كثيراً ما تستخدم الأغلبية شرعيتها الانتخابية لهدم الضوابط الليبرالية، خاصة مع تراجع الوعي بمخاطر الاستبداد والحروب بعد عقود طويلة من السلام والازدهار.
وفي كتابه الجديد In the Realm of the Last Man، يسعى ‘فوكوياما’ إلى
التأكيد على أن مشروعه الفكري لم يكن حرفيًا عن “نهاية التاريخ” بقدر ما كان عن “مصير الإنسان” بعد أن يصل التاريخ إلى نهايته المزعومة. بمعنى أن انتهاء الصراع الأيديولوجي الكبير يحيل المجتمع إلى معضلة “الإنسان الأخير” The Last Man؛ حيث يواجه الفرد -رغم تحققه المادي والسياسي نظريًا- أزمة الفراغ وفقدان المعنى وعدم إشباع توقه لنيل الاعتراف.
فإذا كان الإنسان قد حصل على الحرية والمساواة وحد أدنى من الرخاء المادي، وإذا لم يعد هناك نظام سياسي بديل يبدو قادراً على تقديم حياة أفضل، فماذا يبقى له كي يصارع من أجله؟
ولعل المفارقة التي لم تكن واضحة في رأس ‘فوكوياما’ عام 1989، أن انتصار الليبرالية لا يعني بالضرورة انتصار الإنسان، وأن العالم الذي يتوقف فيه الصراع الأيديولوجي قد يكون أكثر أمناً، لكنه ليس بالضرورة أفضل أو أكثر سعادة وإشباعًا لمئات الملايين ممن يعانون الملل والفراغ وفقدان المعنى والرغبة الفطرية في نيل التقدير والاعتراف.
ما استخلصته شخصيًا من مقال ‘فوكوياما’ الأخير، أنه لا يريد -وبعد كل تلك السنين وما شهدته من صراعات وتحولات وافتضاح لرياء المجتمعات الغربية- أن يتراجع عن إيمانه بنظرية “نهاية التاريخ”، أو أن يشكك في صحة فرضياتها، بل يريد أن يقول إن المشكلة ربما لم تكن في أن التاريخ قد انتهى (بانتصار النظام الليبرالي كما توقع هو)، وإنما في أننا افترضنا أن الإنسان سيعرف ماذا يفعل بعد أن ينتهي التاريخ. ويبدو أنه هو نفسه لا يعرف إجابة لهذا السؤال!!