رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:مذبحة المثقفين

“ـ “لست بحاجة لحرق الكتب لتدمير الثقافة، فقط امنع الناس من قراءتها.” راي برادبري مؤلف رواية : 451 فهرنهايت، عن حرق الكتب.
بعد الاحتلال الامريكي شهدت الساحة الادبية والثقافية والعلمية عمليات تصفية جسدية طالت مئات العلماء والخبراء والاطباء والضباط كما طالت سياسيين ومثقفين وادباء وشعراء ومسرحيين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الروائي علاء مشذوب والشاعر رحيم المالكي والناقد المفكر كامل شياع والكاتب الصحفي أحمد شوكت والشاعر الشعبي وليد حسن جعاز والاعلامية اطوار بهجت وخليل الزهاوي خطاط وشاعر وهادي المهدي مخرج وكاتب ومطشر السوداني فنان ومخرج واغتيال ايهاب الوزني المثقف والناشط المدني وغير هؤلاء الكثير ولم يمارس أحد هؤلاء العنف أو يدعو اليه بل دعاة سلام واعادة صياغة النظام السياسي .
كثير من الاغتيالات التي تمت منذ الاحتلال الامريكي للعراق كانت من عمل مخابرات أجنبية مع عملاء محليين،
وشملت تشكيلة واسعة من رجال قانون وعلماء واطباء ومثقفين ورجال الدين وكبار الضباط لافراغ العراق من الطبقة الوسطى وأفغنته، النموذج الافغاني.
على سبيل المثال وخلال اعداد الدستور تم قتل 3 من رجال القانون بعد ساعات من رفضهم فقرات تتعلق بكركوك خلال اعداد الدستور،
عندما رفضوا فقرات تتعلق بكركوك وعروبة ووحدة العراق وخلال فترة الاستراحة وتوجههم الى مطعم في الكرادة للغداء جاءت سيارة ورشتهم بالرصاص في 19 تموز 2005 هم اساتذة في القانون :1 الدكتور مجبل الشيخ عيسى.2 والدكتور ضامن حسين عليوي. 3 والدكتور عزيز إبراهيم.
من مسلحين أطلقوا النار في وضح النهار وعلنا على هؤلاء وقتلوا جميعا في السيارة. وقد لا نعتبر رجال القانون والعلماء والخبراء والاطباء من فئة المثقفين للفهم الضيق للمثقف المرتبط بالكتابة فحسب.
أما العودة اليوم الى الوطن فلا تحتاج الى اعلان وبلاغ ويمكن ان يعود الانسان الى وطنه متى يشاء أو لا يعود في الظروف الراهنة وهناك أمثلة في التاريخ القريب: بيكاسو الاسباني ربط عودته من فرنسا بعودة الديمقراطية، وميلان كونديرا صدم عند عودته الى براغ ثم عاد الى منفاه الفرنسي ومات ودفن في باريس والروائية ايزابيل الليندي عادت الى تشيلي بعد سقوط دكتاتورية الجنرال بينوشيه بعد عشرات السنوات في المنفى الامريكي ثم عادت الى منفاها بعد خيبة أمل بما رأته.
ليس من العدل تجريم كل من لا يعود الى وطنه لأن القضية تحكمها أسباب شخصية غالبا كالأسرة الجديدة والعمل والعيش في نظام رفاهية كما ان البعض الاخر بحاجة الى عناية طبية مستمرة وفريق يعاني من تجارب ومحن قاسية ولا يمكن الحكم على الجميع كجناة وأرباب سوابق واصحاب سجلات جنائية لان هذه القسوة تعادل اسباب المنفى الاصلية ونتاج عقل سلطوي يرى في المنفيين خونة كما في قاموس النظام السابق” ديّاح”.
العودة او عدم العودة قرار شخصي وحرية فردية ونحن لسنا ثكنة او كنيسة او منظمة تقرر جماعيا.
الوطن ليس تذكرة سفر وجغرافيا بل هوية وذاكرة وكثير من أدباء العالم الكبار عاشوا وكتبوا في المنافي عن أوطانهم دون هذا الصخب عن وطنية من يعود او لا يعود كما ان حدود المنفى تقلصت اليوم وعن طريق صفحات التواصل الحديثة يمكنك أن تفطر مع الأسرة في العراق وتتعشى مع صديق في الجنوب وتتجول مع أخر في الشمال صوتاً وصورة. لقد انهارت الحدود القومية. المنفى ليس مكانا بل هو حالة اغتراب ولو في الوطن.
لا تحتاج السلطة ، أية سلطة، الى مصادرة كتاب أو رواية اليوم أو حتى الى سجن الكاتب، بل يكفي اشاعة الجهل والخرافات والتحريض والتشهير لكي يجد الكاتب والروائي نفسه بلا جمهور أو في مواجهة حشود من الكراهية ونزعة الثأر ويظهر كشاهد زور لأنه يقول الحقيقة.
في النظام السابق كان الكاتب او الروائي او الشاعر عند الخروج من العراق يواجه بمحاكمة صبيانية” لماذا تأخرت في الخروج؟” كما لو ان العراق هو سويسرا يسافر الفرد متى يشاء والنظام يخرج من حرب ويدخل اخرى والسفر ممنوع .
اليوم انقلبت المحاكمة بسؤال” لماذا تأخرت في العودة الى العراق؟” وهذه الاسئلة في تقاليد الشعوب والدول المتحضرة يمنعها العرف والثقافة والقانون والاخلاق والذوق لانها شأن شخصي والحياة الخاصة مقدسة وليس على الفرد ان يشرح ويبرر تفاصيل حياته كما لو في محضر تحقيق بوليسي.
وأي عراق؟ العراق الذي حلمنا به وعاش بعضنا لاجئين في مخيمات اللاجئين في لبنان وعبروا الحدود مشياً وتحملوا السجون والعوز، هذا العراق لم يعد موجوداً ومن الافضل ان تحلم به ولا تراه. ثم من يملك الحق في هذه المحاكمات ويوزع صكوك الوطنية حسب معايير تفتقر للنضج والرصانة وبلغة فوقية في قضايا شخصية لا أحد يملك الحق في تقريرها غير اصحابها؟
ثم هل يحتاج من يسافر الى بلاغ او اعلان كما يفعل البعض عند زيارة جار او صديق او مطعم وينشره كحدث قومي؟ من حسن الحظ تخلص كثيرون في المنافي الديمقراطية من هذا الانتفاخ الذاتي وصاروا يمارسون حياتهم بصورة عفوية وطبيعية وتلقائية بلا تهريج عن افعال عادية.
عندما عاد الدكتور فاروق القاسم مكتشف النفط في النرويج ومن نقلها الى دولة الرفاهية ـــــــــــــــــــــــــ ونحن نعيش في مدينة واحدة: ستافنغر ـــــــــــــــ الى العراق بعد الاحتلال للمشاركة في بناء وطنه وهو حامل وسام الشرف الملكي النرويجي لبناء النرويج كما في القرار، عندما عاد للعراق لاستثمار الموارد النفطية في التنمية كما فعل في النرويج وطلب فريق عمل فقط بلا راتب ، نصحوه العودة الى النرويج أو يُقتل لان النفط مباع في باطن الأرض لشركات ومافيات وعصابات. أي ان مستقبل العراق مسروق وليس حاضره فحسب.
كما ان المنفى ليس مكاناً بل المنفى هو روح وذات هائمة وهو حالة اغتراب حتى داخل الوطن عندما يشعر الانسان انه تفصيل فائض عن الحاجة وبرغي صغير في عجلة ضخمة تسحقه.
عندما لا تكون أنت كما تريد بل كما يراد لك، هذا هو المنفى، بل أقذر المنافي، لأن منافي الأمكنة توفر فرصة للحياة والنمو والبدء من جديد بل الولادة من رحم عالم نظيف ومختلف.
عندما لا يكون الانسان سيداً على مصيره، فذلك هو المنفى. قد يكون المنفى المكاني يبعد الشخص عن المكان الأول، لكن منفى الوطن ــــ أو الاغتراب يبعده عن انسانيته ويحيونه ويكون عذابه أضخم لو كان واعياً لهذا العذاب أو وعي الاغتراب، أما من تحول الى بهيمة فتتشابه في نظره الأمكنة والاشياء والمواقف لان الانسان الذليل يفقد مع الوقت حواسه الانسانية ولا يعود يميز بين الحياة الحقيقية والحياة المزيفة بتعبير مارتن هايدغر: الذليل لم يعد بشراً إلا في الشكل لذلك يستغرق الوقت الأطول في التمرأي في المرايا بحثاً عن كائن مفقود ولو أطلق النار على صورته في المرآة، لسقط فأر في الغرفة.
التعريف الأدق للاغتراب Entfremdung هو فقدان السيطرة على المصير وتحول الانسان الى” جزء ميكانيكي من طبقة” أو مجتمع ولا يفقد هويته الفردية فحسب بل هويته الانسانية.
أهم منافي الوطن:
المنفى الأول: منفى اللغة. مع اننا نتكلم بلغة ونكتب بأخرى، لكننا أيضا نتكلم بلغات حسب الظرف والمكان والسلطة ،
بحيث تصبح اللغة ليست أداة تواصل بل اداة نفي، أو لعبة للتجنب والتحاشي.
تشظي اللغة يحول الانسان الى حطام بشري من المرض والصداع والدونية والكذب.:
نتكلم بلغة ونفكر بأخرى هو الموت بقناع.
انه المنفى الذي يلغي الذات الحقيقية التي ستطمر تحت الانقاض.
منفى اللغة متعدد ومتشعب: بعض نخب الادب والسياسة لا تعيش في وطن، بل في نصوص، وطن التراب مجهول ومنسي، لكننا نعرف وطن النصوص . منفى النصوص نخبوي.
المنفى الثاني: منفى الذات. لا يتعرف العراقي على ذاته الا في الشطح والحلم والتسلطن لأنها نائية وفارة ومطمورة
تحت مختلف أنواع السلط،
وهي ليست ذاتا فردية مسحوقة وملغاة بل مجمع سلط،
لذلك يخاف العراقي من البوح ومن كتابة السيرة الذاتية لأن الذات المصنعة من مختلف السلط لا تروى عن نفسها لأنها لا تعرفها، ولأن السيرة سيرة نظام أو جماعة، في حين ان الفردية لصيقة بالشيطان أو اللاثوري الاناني كما يُلقن.
ومن يكتب سيرة ذاتية عليه تحمل الأسوأ.
المنفى الثالث: منفى الطبيعة. علاقة العراقي بالطبيعة علاقة ديكور لأن الذات ملغاة ولأن اللغة المعبرة عن هذه العلاقة متشظية،
والمرايا المهشمة لا تعكس الواقع كما هو بل تعكس صورة محطمة.
الطبيعة، في نظم القمع، ديكور وليست بنية جوهرية وجسداً آخر.
الطبيعة مكان للتلصص خلف الاشجار أو في العشب وليست مكانا للنزهة.
المنفى الرابع: منفى التاريخ. التاريخ العراقي تاريخ تخيلي أو تاريخ مروى شفاهيا، وهذا النوع من التاريخ الرغبي عرضة للاهواء والرغبات،
ونحن لا نملك تاريخا واحدا مفسرا كما هو حال شعوب الارض، بل نملك رواة لهذا التاريخ، اي ان الجانب الجوهري من الهوية مشوه.
ليس التاريخ هو تاريخ المتخيل فحسب، بل الحاضر ونحن نرى الوقائع بعيون أخرى، ونقيّم الاخر كما تخيلناه أو تخيله أحد ما وكالة عنا. أي ان علاقتنا بالآخر علاقة تخيلية، ليس كما هو بل كما نتخيله،
نقبله أو نرفضه ليس بناء على تجربة مباشرة بل بناء على عالم تخيلي:
نحن سجناء التاريخ وسجناء الحاضر أيضا،
لا يملك الآخر حقيقته الخاصة بل هذه” الحقيقة” نتصورها نحن، في ضرب من التنجيم المبرقع بثقافة قشرية من دون وعي لهذا التناقض المخزي:
بين حرية وحق الآخر في أن يكون كما يريد وبين حدود حريتنا.
لا وجود للآخر إلا عندما نراه أو نتخيله في صور وأوضاع وهمية: نحتقر الجلاد ونمارس أقذر من دوره.
المنفى الخامس: منفى اللسان. اللسان حسب التعريف الالسني قاموس وتراث وعادة وعرف ومؤسسة وقانون، ونحن نكتب باللسان وليس باللغة الفردية،
وفي نظم الخوف يتم تحوير اللسان لكي يصبح منسجما مع أنواع السلط،
والعراقي بدافع التحاشي يتكلم بأكثر من لسان،
وليس غريبا هذا التدجين والترويض المستمر عن ” لسانك حصانك ان صنته صانك الخ”
وظاهرة قطع اللسان عريقة في التاريخ لأن اللسان ملكية عامة كالمباول
يقطع عندما يخرج عن العرف والمؤسسة والويل لمن يتكلم أو يكتب بلغته الفردية. لغة البوح العميق للمشاعر والافكار بل عليه ان يتكلم ويكتب لغة الجماعة او القاموس .
المنفى السادس: منفى الجسد. لا يتعرف العراقي على جسده لأن هذا الجسد طمر لغة وذاتا ومشاعرا تحت سلطة وانقاض وغطست الغرائز والرغبات المشروعة تحت القيعان، وبعضها تعفن وعفن الجسد معه،
وبعضها يُعثر عليه في كابوس او حلم أو هذيان،
وتمارس المتع الانسانية في مناخ العتمة والسر بعيدا عن السلط المتكاثرة،
والويل لمن يتحدث عن حكاية حب عارية ونقية مثلاً،
في حين من المباح أن يتحدث القتلة واللصوص عن جرائمهم علناً:
يصبح الجسد خرقة كمعطف عتيق يلبسه الفرد.
ليس غريبا ان يصدر النظام السابق قرارا يحكم بالاعدام كل جندي يؤذي جسده في الحرب، لأن هذا الجسد ملكية عامة كأعمدة الهاتف والكهرباء والاسلحة والمباول والخ ويقطع لسان كل من يخرج عن اللغة المقررة،
يصبح الانسان مدفنا عفناً لنفسه. إنه الميت الماشي.
يمشي في شوارعه كغريب بين غرباء واشباح وانقاض متنقلة.
المنفى السابع: منفى الدين. في ظل انقسام حاد وتعدد طوائف الدين الواحد، تضيع الهوية الحقيقية للدين الذي يصبح قابلاً للتفسير الرغبي،
وتعدد منافي الدين يخلق لدى البعض مشاعر إثم، وانتماء مختلفة يصل حد الصراع المسلح،
وليس أفضل من مشاعر الاثم في خلق الانسان السهل الانقياد لانه لا يريد الحرية بل الغفران عن خطايا التاريخ.
المنفى الثامن: منفى الكاتب والمثقف. هو اسوأ وأخطر وأكثر المنافي حيرةً واغتراباً. الكاتب والمثقف بصورة عامة في كل مكان بتعبير ناقد فرنسي، فانسان جوف، يدخل في منفى من لحظة حمل القلم ويدخل في صراع مع الجميع وحتى مع ذاته المزيفة، من لحظة التخيل ينفصل عن الواقع ويدخل معه في صراع مهلك، بداية الورطة تخيل عوالم موازية.
وعليه إما أن يولد من رحم ثقافة بديلة أو يتحول الى ببغاء أو يتحطم.
فكيف اذا اضيفت المنافي السابقة؟وماذا نفعل يا محمود درويش:
” حين يصبح الوطن منفى والبيوت سجوناً؟”
المنفى التاسع: منفى السلطة والحرية. عندما يكون الانسان غريبا في داره وداخل ذاته ولسانه وطبيعته ودينه وجسده، يصبح أقرب الى العبد منه الى المواطن،
بل أقرب الى الشيء ومع تعدد الاجيال تتحول عبودية الاكراه الى عبودية
طوعية كتقاليد وأخلاق ونمط حياة، وهو الاعتقال الذاتي.
الوطن الحقيقي أن تتتفتح فيه كوردة، أن يكون صديقاً وحارساً وحديقة أزهار لا سجنا كبيراً بعنوان مزيف: وطن: الإغتراب أقسى المنافي ولو في بيتك الأول. هذه ليست كل المنافي.
العراقي اليوم وفي داخل غرفة نومه وفي وطنه يعيش حالة اغتراب وفي منفى: الجميع في منفى وقد يكون من في الخارج في وطن.
ــــــــــــــــــ الصورة: في الباكستان عام 1989 : سجون المنافي الآسيوية من أجل وطن نظيف وعادل عبارة عن حظائر للحيوانات بعد عبور 3 حدود دولية مشيا بحثاً عن ملاذ آمن. كاتب السطور الاول من اليسار المبتسم.
من يعرف هؤلاء الابطال؟ عانوا ظروفا فوق الاحتمال وحتى اليوم في المنافي ولم يكتبوا حرفاً واحداً بل مارسوا الوطنية كطائر يغرد أو شجرة تثمر او غيمة تمطر بلا تفاخر. اليوم صارت كتابة التاريخ من اختصاص النصاب والانتهازي لكي يختصر تاريخ هؤلاء في” كود ” للحفظ ـــــــــــــــــــــ صفة العقل الأمني الاختزالي المتخلف ـــــــــــــــ ويلغي تاريخ الورد والنضال الصامت المشرف بلا سؤال عن عرق أو مذهب أو عقيدة أو مدينة: كانوا عراقيين فقط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى