رؤي ومقالات

هشام تلاوي يكتب:قالها في اليرموك… ومشى بها في القدس

حين يصبح الحلم حقيقة

كنت في زيارة للشام وتحديدا لمخيم اليرموك في سوريا عام 2010، للتحضير لعقد الملتقى الثقافي التربوي الفلسطيني الذي يعقد في فلسطين، الذي ضم مئات اللاجئين الفلسطينيين من المخيمات ومناطق الشتات في العالم…حيث أجريت العديد من اللقاءات مع الكثير من المؤسسات الثقافية في المخيم.. وهناك التقيت بالفنان غسان السعدي، رئيس المركز الفلسطيني للثقافة والفنون… جلسنا نتحدث طويلًا عن الثقافة والفن في حياة اللاجئين.. عن الأغنية واللوحة والمسرح والحكاية. وكيف يمكن للفنان أن يفعل ما تعجز عنه السياسة أحيانًا، في خدمة القضية الفلسطينية، وبخاصة دور الثقافة في الحفاظ على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.. تحدثنا عن فلسطين التي لم تكن بالنسبة لنا مجرد أرضٍ فقدناها، وإنما وطنًا نحمله في الذاكرة، ونحاول أن نحمي صورته أثناء الغياب عنه قسرا…

كان غسان يتحدث عن الثقافة والفن، ويمسك بخيط الذاكرة الممتد من المخيم الى فلسطين، التي لم تطأ قدماه أرضها.. وكيف لنا ان نعمل على بقاء الذاكرة حية بين جيلٍ عاش في فلسطين، وعرف بلداتها وقراها ومدنها وسهولها وجبالها، وبين جيلٍ لم يرها إلا في الصور والحكايات.

قلت له :الثقافة يا غسان.. ليست فقط أن نتذكر فلسطين، وإنما أن نحافظ على صورتها حيّة في وجدان أبنائنا، حتى يبقى الوطن حاضرًا فيهم مهما طال الزمن، ومهما اتسعت مسافة البعد عنها.. هزّ رأسه وقال: لهذا السبب أنا أخاف على فلسطين من النسيان أكثر مما أخاف عليها من بعد المسافات، ثم سكت قليلًا…وقال بصوت فيه شوق وحنين: كنت أظن أن الحديث سيبقى في حدود الثقافة والفن، لكنه فجأة أخذني إلى مكان آخر قريب من الروح.. (وبتنهيدة اكمل حديثه) ولكنه قد يكون بعيد المنال!! وسألني: أنت تعيش في فلسطين، أليس كذلك؟

قلت: نعم بالتأكيد…كنت لاجئا مثلك لأكثر من خمسين عاما، وعدت اليها أخيرا…واعيش الآن داخلها، واحملها في قلبي ووجداني.. اقترب مني قليلًا.. وكأن السؤال الذي سيطرحه بعد ذلك كان ينتظر فرصة منذ زمن: القدس… القدس …كيف هي يا صديقي؟ ابتسمت.. وقلت: أي قدس تقصد؟ رد مستغربا: وهل هناك أكثر من قدس؟ قلت: نعم ..هناك القدس التي قرأت عنها في الكتب، والقدس التي تراها في الصور، والقدس التي يسمع عنها الناس في الحكايات… وهناك قدس أخرى لا تعرفها إلا عندما تمشي في شوارعها.!!

نظر غسان إليّ باهتمام وقال: وما الذي لا تقوله الكتب؟

قلت: الكتب تستطيع أن تحدثك عن تاريخ القدس، وعن أسوارها وأبوابها، ومساجدها وكنائسها، لكنها لا تستطيع أن تنقل إليك إحساسك، وأنت تدخل من أحد أبوابها القديمة، ثم تسلم نفسك للمدينة كي تقودك!!.. هذه هي القدس التي تبحث عنها!!

قال بشغف: يا الله!! كيف لها أن تقودني؟

قلت: عندما تمشي في القدس، لا تعرف أحيانًا إن كنت أنت الذي تسير في شوارعها، أم أن شوارعها هي التي تسير بك نحو ذاكرتك!!! هناك أزقة ضيقة وحجارة قديمة، صقلتها أقدام الناس عبر مئات السنين، بل الاف السنين، وأبواب وراء كل واحد منها، بيتًا وحكاية وعائلة وذاكرة. قال: وهل للحجارة رائحة؟

نظرت إليه نظرة محبة وتفاؤل، وضحكت وقلت: ستعرف حين تصل اليها !!!.. ودون أن يدقق فيما قلت له.. قال بإصرار: لا لا، أريدك أن تصفها لي الآن.

قلت: عندما تمشي في البلدة القديمة، لا تنظر فقط إلى الحجر… انظر إلى الظلال التي تصنعها البيوت المتلاصقة، وإلى الأبواب الخشبية القديمة التي أكل الزمن أطرافها، وإلى الأسواق حين تضيق بك الطريق، وإلى أصوات الباعة وهي تتعالى من بين الأزقة… انظر إلى بائع الكعك المقدسي الذي يقف عند باب العمود، وإلى رائحة القهوة والخبز والتوابل، وهي تتسلل إليك من الدكاكين والبيوت.. عندها ينتابك شعورا غريبا، بأنك في مكان تعرفه منذ طفولتك، رغم أنك لم تطأه من قبل..

نظرت إلى غسان.. رأيت في عينيه شيئًا يتجاوز الإصغاء، وكأن الكلمات أخذته إلى مكان بعيد يتجاوز المخيم بل عابر للحدود…رأيت شابًا من مخيم اليرموك يحاول أن يستعيد مدينة لم يرها، وأن يرسم في خياله ملامح القدس من الكلمات التي كنت أنثرها أمامه… وكأنه يمشي معي في تلك الأزقة، ويتوقف عند أبوابها، يرفع رأسه إلى حجارتها القديمة، ويتنفس رائحة قهوتها وكعكها وأسواقها.. وشعرت في هذه اللحظة، أن روحه كأنها ذابت في الصورة التي أخذت تتشكل أمامه!! ثم عاد إلى جلسته كمن أفاق فجأة من سفر بعيد… وبصوت يحمل شيئًا من الدهشة قال:

يا الهي .. هذا بالضبط ما أشعر به عندما أرى القدس في الصور…. أغمض غسان عينيه… ثم عاد ينظر الي وقال: ولكن لماذا القدس بالذات لها كل هذا الحضور فينا؟

قلت: لأن القدس ليست مدينة عادية في الوجدان الفلسطيني والعربي والإنساني… انها مدينة اجتمعت فيها طبقات من التاريخ والروح والذاكرة، حتى أصبحت رمزًا يتجاوز جغرافيتها.!!

قال بلهفة: حدثني عنها كما لو أنني أمشي معك…

قلت: تعال إذن، ولنبدأ من أبوابها…

قال مبتسمًا: من أي باب؟

قلت: من أي باب تشاء… فالقدس لها ثمانية أبواب… وكل باب منها يحمل شيئًا من تاريخها، وله حكاية…. فحين تدخل القدس، تشعر أنك عبرت من زمن إلى زمن…

قال: وماذا سأرى؟

قلت: سترى مدينة لا تقدم نفسها لك دفعة واحدة… عليك أن تمشي فيها حتى تكشف هي لك عن أسرارها!! ربما تبدأ بسوق، ثم تنعطف في زقاق ضيق، ثم ترفع رأسك فجأة، فتجد قبة أو مئذنة أو كنيسة، أو جدارًا قديمًا يذكرك بأنك تمشي في مدينة كانت، وما زالت، في قلب تاريخ المنطقة والعالم!!

قاطعني وقال بنبرة مختلفة، وكأنه لم يعد يسألني عن مكان يريد أن يراه، بل عن شيء يشعر أنه ينتمي إليه قبل أن يراه !!: وماذا عن المسجد الأقصى المبارك؟

قلت: الأقصى يا غسان، لا يوصف بصورة…

قال: لماذا؟

قلت: لأن الصورة يمكن أن تُريك شكله، لكنها لا تستطيع أن تنقل إليك ما يحدث في داخلك عندما تطأ قدماك ساحاته!! نظر الي بدهشة واستغراب وسكت… ثم قلت: عندما تدخل إلى المسجد الأقصى المبارك، تشعر أنك أمام مكان يحمل ذاكرة البشرية بأكملها…الأقصى أولى القبلتين، وثاني المسجدين.. وثالث الحرمين الشريفين التي تشد إليها الرحال، وهو جزء من الإسراء والمعراج في الذاكرة الإسلامية… لكنه، بالنسبة للفلسطيني، ليس فقط مسجدًا له مكانته الروحية.. وانما هو جزء من هوية المكان، ومن تاريخ فلسطين، ومن علاقتنا بهذه الأرض…

قال: وهل تشعر بذلك وأنت داخله؟

قلت: تشعر به في الصمت أكثر مما تشعر به في الكلام… قد تجلس في ساحاته ولا تفعل شيئًا. فقط تنظر إلى الحجارة، إلى القباب، إلى الأشجار، إلى الناس وهم يصلون، فتشعر أنك أمام زمن طويل لم تستطع القرون أن تمحوه!!

قال: وماذا سأقول عندما أدخله؟

قلت: ربما لن تقول شيئًا.!!

قال كيف ذلك؟

قلت: لأنه في بعض لحظات حياتنا تصمت فيها اللغة ويتوقف الكلام!! ابتسم غسان وقال: وهل سنبكي؟ قلت: ربما.. وقد تحبس دموعك في عينيك… قال: وهل بكيت انت؟

توقفت لحظة قبل أن أجيبه، وتذكرت في هذه اللحظة عندما صليت فيه لأول مرة وقلت: القدس يا صديقي تجعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه! ظل غسان ينظر إليّ حتى نزلت دمعة من عيوني… ثم قال: وأنت تتحدث عن الأقصى، شعرت وكأنني أراه… قلت: اـنتظر يا غسان حتى تصل!! ومرة أخرى لم يستوعب ما قلته!!

وقال: وماذا عن كنيسة القيامة؟ قلت: في كنيسة القيامة ستجد شيئًا لا تستطيع الكتب وحدها أن تمنحك إياه…

قال: ماذا تعني لك كنيسة القيامة؟

قلت: هي ليست فقط مكانًا مقدسًا للمسيحيين، بل جزء من تاريخ القدس وفلسطين، وجزء من الذاكرة الروحية لهذه الأرض. فمن فلسطين انطلقت رسالة المحبة والسلام التي حملها السيد المسيح عليه السلام، ونقلها الى البشرية جمعاء.. قال غسان: لهذا تقول دائمًا أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم؟ قلت: نعم. فلسطين أرض الرسالات، والقدس مدينة تتقاطع فيها ذاكرة الأديان والحضارات والشعوب. وفي كنيسة القيامة ستشعر أن التاريخ لم ينتهِ هنا؛ إنه ما زال حاضرًا في المكان، وفي الطقوس، وفي وجوه الناس الذين يأتون إليها من كل أنحاء العالم. قال: وهل يشعر المسلم بذلك؟ قلت: يا صديقي.. القدس تعلمك أن ترى الآخر دون أن تفقد ذاتك… المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ليسا غريبان عن هذه المدينة، كلاهما شاهد على عمق فلسطين وتنوعها الروحي والتاريخي… ـ وحين تمشي في القدس، ستتعلم شيئًا لا يمكن أن تتعلمه من الكتب.. القدس لم تكن يومًا مجرد حجارة… إنها ذاكرة، وإيمان، وحكاية إنسانية طويلة، لم تنتهي ولن تنتهي حتى قيام الساعة..

كان غسان صامتًا وهو يصغي الى حديثي بكل جوارحه.. فأكملت: أنت الآن قد تكون تعرفت على القدس من خلال ما أقول، لكنني أريد منك أن تعرف شيئًا آخر… وبسرعة ولهفة قال:

وما هو ذلك الشيء؟

قلت: القدس التي ستراها بعينيك، ستكون مختلفة تمامًا عن القدس التي أصفها لك…

ضحك وقال: يبدو أنك تريد أن تجعلني أكثر شوقًا؟

قلت: يا صديقي عليك ان تعلم أن هناك بعض الأشياء لا تُروى… بل عليك أن تُعايشها.!!. عاد الصمت بيننا… ثم سألني بلسان حاد وعيون دامعة: قل لي بصراحة… هل يمكن أن أعيشها يومًا؟ نظرت إليه… وأدركت أننا في نهاية الحديث، وربما وصلنا إلى ما كنت ابحث عنه!!!

لم يكن غسان يسأل عن القدس كفنان، ولا عن فلسطين كموضوع ثقافي. كان يسأل كلاجئ قضى عمره، وهو ينظر إلى وطنه من خلف المسافات… قلت: لما لا ؟!! ابتسم غسان ابتسامة قصيرة تعبر عن حالة احباط وقال: لأنني من مخيم اليرموك…

قلت: وأنا أعرف أنك من مخيم اليرموك… قال: لا.. أنت تعرف اسمه فقط… أنا الذي أعرف ماذا يعني أن تولد في مخيم، وأن تكبر وفي داخلك بلد لم تره. أعرف ماذا يعني أن يقول لك أبوك: فلسطين هناك… ثم تموت السنوات ويبقى (هناك) أبعد من كل شيء.!!..

لم أجبه وتركته يتابع: نحن نحفظ أسماء مدنها وقراها أكثر مما نحفظ بعض شوارع المخيم…. نعرف أسماء أجدادنا الذين خرجوا منها.. لكننا لا نعرف كيف تبدو الأرض تحت أقدامنا…

قلت: ولهذا سأعمل من أجل أن تعود إلى هناك!! رفع رأسه بسرعة صارخا: ماذا قلت؟

قلت: سأعمل من أجل أن تعود إلى فلسطين…ظل ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يكتشف فيما إذا كان في كلامي شيء من المجاملة وقال: إلى فلسطين؟!!! قلت: نعم إلى فلسطين.. والقدس إن شاء الله؟ لم يقل شيئًا… بقي صامتًا طويلًا,,

ثم قال بصوت خافت: بالله عليك يا أخي.. لا تجعلني أصدق حلمًا أخاف أن أفقده…

قلت: لا أريد أن أمنحك حلمًا.. أريد أن أساعدك في تحقيق حلمك…نظر غسان إلى الأرض…ثم رفع رأسه عاليا ونظر الى السماء وقال: إذا حدث ذلك… إذا وصلت فعلًا إلى القدس… لن أنسى هذا الحديث. قلت: وأنا أيضًا لن أنساه…ونظر الى قدميه وقال: سأمشي حافيًا.. ابتسمت وسألته، لماذا؟ قال: لا أعرف… ربما لأنني أشعر أن قدميّ يجب ألا تفصلهما عن الأرض التي حُرمت منها كل هذه السنوات…قلت: وإلى أين ستمشي؟ قال: في شوارع القدس، حتى أصل إلى المسجد الأقصى المبارك…ثم صمت قليلًا، وأضاف: وبعدها سأمشي إلى كنيسة القيامة… قلت: ربما ستشعر بألم وانت تمشي حافي القدمين؟ قال لدي إحساس عميق أن ارض القدس ستكون أكثر حنانا على قدماي من أي بقعة في العالم !!! فقلت له: وهل ستظل حافيًا يا غسان؟ قال: حتى النهاية…ضحكت وقلت: إذن احتفظ بحذائك، فقد اقتربت اللحظة التي ستتركه فيها عند أول الطريق المؤدي الى المسجد الأقصى المبارك!!! تعالت ضحكاتنا، لكنني لم أكن ادرك أن تلك الجملة العابرة ستعود إليّ يومًا، لا كذكرى من حديث في مخيم اليرموك، بل كصورة حقيقية أمام عيني…فقد خلع غسان نعليه وهو يقف على جبل الزيتون المطل على الأقصى وكنيسة القيامة، ونزل من على الجبل ووصل اليهما حافيا … وهكذا…

قالها غسان في اليرموك… ومشى بها في القدس..

وأصبح الحلم حقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى