كتاب وشعراء

برودة الرماد، حين يحترق حطب الذاكرة.. إعداد الباحثة السورية: هيفاء البريجاوي

انتفاضة القضية بقلب إمرأة وقوده الصبر

ليس التهجير القسري مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا هو حكاية بيت أُغلق بابه على عجل، أو مفتاح احتفظ به صاحبه على أمل العودة ،إنه اقتلاع للإنسان من جذوره، وانتزاع للطمأنينة من قلبه، وتحويل لتفاصيل الحياة اليومية إلى ذكريات موجعة لا تنطفئ.

أن يُجبر الإنسان على مغادرة بيته يعني أن يستيقظ ذات صباح فلا يجد الطريق الذي اعتاد أن يسلكه، ولا المدرسة التي حفظت خطوات أطفاله، ولا الجار الذي كان يطمئن إليه، ولا المكان الذي شهد أفراحه وأحزانه. وقد يتحول الوطن في لحظة إلى صورة معلقة في الذاكرة، وتصبح رائحة ترابه حنينًا موجعًا، ويغدو المنفى حياة لا يكتمل فيها الحضور ولا ينتهي فيها الغياب.

والتهجير، في جوهره، ليس أزمة سكن أو نقصًا في الموارد فحسب، بل تجربة تمس الإنسان في أمنه وهويته واستقراره وشعوره بالانتماء وقدرته على تقرير مستقبله.

فقد يفقد المهجّر بيته في لحظة، لكنه قد يحتاج سنوات طويلة ليستعيد شعوره بالأمان، وقد يصل إلى مكان جديد بجسده، بينما تبقى ذاكرته عالقة عند لحظة الرحيل، حيث ترك أهله وأصدقاءه وأشياءه وأحلامه التي لم تكتمل.

وراء كل مهجّر قصة لا تختصرها الأرقام، ووراء كل خيمة أم تحاول أن تمنح أطفالها شيئًا من الطمأنينة، وأب يخفي خوفه كي لا ينهار أمام أسرته، وشيخ يحمل في ذاكرته بيتًا وشجرة وقبرًا وأيامًا كاملة لم يعد يستطيع الوصول إليها.

إن المأساة لا تكمن في فقدان المكان وحده، بل في ذلك الانكسار الخفي الذي يصيب الإنسان حين يُجبر على إعادة بناء حياته من الصفر، وحين يصبح السؤال عن المأوى والطعام والدواء سابقًا على السؤال عن العلم والعمل والمستقبل.

ومع ذلك، فإن كثيرًا من المهجّرين استطاعوا أن يحملوا وجعهم بعفة نفس، وأن يصونوا كرامتهم في أشد لحظات الحاجة، وأن يواصلوا الحياة رغم كل ما فقدوه. ومن هنا، فإن الحديث عن التهجير لا ينبغي أن يحصر الإنسان في صورة الضحية، بل يجب أن يراه إنسانًا كامل الحقوق، صاحب تاريخ وقدرات وأحلام، لم يفقد شيئًا من قيمته لأنه فقد بيته.

فالاحتياج حالة عابرة، أما الكرامة فهي حق أصيل.

إن المكان بالنسبة إلى الإنسان ليس جدرانًا وسقفًا فحسب؛ إنه ذاكرة الطفولة، وامتداد الأسرة، وشاهد العمر، ومستودع التفاصيل التي تمنح الحياة معناها. ولهذا فإن فقدان المكان يفتح جرحًا عميقًا في العلاقة بين الإنسان وتاريخه.

حين يغادر الإنسان بيته تحت وطأة الخوف، فإنه لا يحمل معه ما استطاع إنقاذه من ممتلكات فحسب، بل يحمل أسئلة لا تنتهي: هل سأعود؟
هل بقي من أحبهم؟
ماذا حدث لبيتي؟
هل سيكبر أطفالي وهم يعرفون المكان الذي ولد فيه آباؤهم؟
وهل سيجدون يومًا مكانًا يستطيعون أن يسموه وطنًا؟

وفي مكتبة العمر التي يحملها كل مهجّر في صدره، هناك شهادات لم تُكتب على الورق، لكنها نُقشت في الوجوه، وفي الصمت، وفي انحناءة الظهر، وفي نظرة طويلة تسبق الإجابة عن سؤال: كيف كانت الرحلة؟

هناك أمهات يعرفن كيف يقتسمن رغيفًا واحدًا بين أفواه كثيرة، وآباء ابتلعوا خوفهم كي لا يراه أبناؤهم، وشيوخ تركوا خلفهم مواقدهم وأشجارهم وذكريات أعمارهم، فصاروا يحملون وطنًا كاملًا في ذاكرة متعبة.

ولا ينبغي أن تتحول الحاجة إلى المساعدة إلى مقياس لقيمة الإنسان، أو أن يُختزل المهجّر في صورة العاجز الذي ينتظر العطاء.
فكم من طبيب ومعلم ومهندس وحرفي ومثقف وجد نفسه فجأة في طابور المساعدة، لا لأن قدراته قد زالت، وإنما لأن ظروفًا قاهرة انتزعت منه أدوات ممارسة حياته.

إن كرامة الإنسان لا تتبدل بتبدل ظروفه، ولا تنقص حين يحتاج إلى العون، ولا تزول حين يصبح عاجزًا عن إعالة أسرته مؤقتًا.

وتبقى الطفولة من أكثر المراحل التي تكشف عمق مأساة التهجير. فالطفل لا يملك الأدوات النفسية التي تمكنه من فهم ما يحدث، ولذلك قد يتحول الخوف عنده إلى ذاكرة طويلة.

طفل يختصر طفولته في حقيبة صغيرة، وآخر يعرف أسماء المخيمات قبل أن يتقن أسماء المدن، وثالث يتعلم معنى الخوف قبل أن يتذوق معنى الأمان. هناك طفل فقد بيته، وآخر فقد أحد والديه، وثالث انقطعت به سبل التعليم، ورابع اضطر إلى العمل في عمر كان ينبغي أن يكون فيه منشغلًا باللعب واكتشاف العالم.

وقد لا يتحدث الطفل كثيرًا عن معاناته، لكن رسوماته وألعابه وأحلامه قد تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
بيت بلا سقف، طريق طويل، أم تمسك بيد طفل، أو شمس بعيدة؛ كلها قد تكون لغة أخرى للذاكرة.

إن حماية الطفل المهجّر لا تعني توفير الطعام والكساء فقط، بل تعني أيضًا حماية طفولته من الاستغلال، وإعادة فتح أبواب التعليم أمامه، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية، ومنحه مساحة للعب والأمان والحلم.

فليس من العدل أن نطالب طفلًا نجا من الخوف بأن يكون قويًا طوال الوقت، بينما نعجز عن توفير البيئة التي تمنحه حقه الطبيعي في أن يكون طفلًا.

أما كبار السن، فلهم في مآسي التهجير وجع خاص. إنهم الذين أفنوا أعمارهم في بناء البيوت، وغرس الأشجار، وتربية الأبناء، ثم يجدون أنفسهم في آخر العمر محتاجين إلى من يساعدهم على عبور الطريق، أو يؤمّن لهم دواء، أو يسمع حكاياتهم دون استعجال.

الشيخ المهجّر لا يفقد سقفًا يؤويه فقط، بل يفقد نظام حياته وذاكرته المكانية وشعوره بالاستقلال. ولذلك فإن رعايته ليست منّة، وإنما واجب إنساني يحفظ له حقه في أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة.

النساء والأمهات، فقد حملن في تجارب التهجير أعباء تفوق طاقة الجسد. واجهن الجوع والخوف والمرض، وحملن أبناءهن في الطرقات، ووقفن في طوابير المساعدة وهن يخفين ارتجاف أيديهن، وحاولن في الوقت نفسه أن يبقين مصدر الطمأنينة داخل أسرهن.

كثيرات فقدن أزواجهن أو أبناءهن، ومع ذلك واصلن النهوض كل صباح، يبحثن عن الطعام والدواء والمدرسة والعمل، وكأنهن يعقدن مع الحياة اتفاقًا يوميًا بألا تستسلم.

لكن الإشادة بصبر المرأة المهجّرة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتطبيع معاناتها. فالصبر ليس بديلًا عن الحقوق، والشجاعة ليست مبررًا لغياب الحماية.

ومن أجمل ما يمكن استحضاره في هذا السياق تجربة الهجرة النبوية، التي كانت تجربة اقتلاع وانتقال وبناء في آن واحد. فقد خرج المهاجرون من مكة تاركين وراءهم الديار والأموال وأسباب الاستقرار، واستقبلهم الأنصار في المدينة استقبالًا تجاوز حدود الضيافة إلى الأخوة والمشاركة.

وقد وصف القرآن الكريم هذا الموقف الإنساني العظيم بقوله تعالى:

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

لقد تحولت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إلى نموذج عملي لمعنى احتضان الإنسان الذي فقد مكانه، وإعادة بناء شعوره بالانتماء، ومساعدته على الانتقال من حالة الاقتلاع إلى حالة المشاركة.

ومن أبلغ صور ذلك قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع رضي الله عنه.
عرض سعد على أخيه أن يشاركه ماله، لكن عبد الرحمن قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق.

وفي هذه العبارة القصيرة معنى عظيم ،فالمساعدة الحقيقية لا تسلب الإنسان استقلاله، بل تساعده على استعادته.
والسخاء لا يعني إبقاء المحتاج في موقع المتلقي، وإنما فتح الطريق أمامه ليعود إنسانًا منتجًا مشاركًا قادرًا على بناء حياته.

وهذا المعنى بالغ الأهمية في التعامل مع المهجّرين اليوم،فالمساعدة التي تحفظ الكرامة هي التي تمنح الإنسان فرصة العمل والتعليم والاستقلال، ولا تجعله أسيرًا للحاجة.

ومن صور المشاركة في رحلة الهجرة أيضًا موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، التي أسهمت في إعداد الزاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، وربطت جراب الطعام بقطعة من نطاقها، فعُرفت بذات النطاقين.

إن هذا الموقف يذكرنا بأن بناء الأمان لا يحتاج دائمًا إلى إمكانات عظيمة، بل قد يبدأ من فعل صغير يؤديه إنسان في اللحظة المناسبة.

فالمجتمعات لا تُبنى بالمواقف الكبرى وحدها، وإنما بالأيدي التي تمتد في الوقت الذي يحتاج فيه الآخرون إلى العون.

ومن المواقف النبوية التي تجسد قيمة الإنسان، قصة المرأة التي كانت تقم المسجد.
فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها عندما غابت، فلما علم بوفاتها طلب أن يُدل على قبرها وصلى عليها.

قد تبدو هذه المرأة في نظر الناس صاحبة عمل بسيط، لكنها لم تكن بسيطة في ميزان الإنسانية النبوية.

لقد انتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيابها، وسأل عنها، وأكرمها بعد وفاتها.

وفي ذلك درس عميق: الإنسان الذي قد لا يراه المجتمع مهمًا، قد يكون في ميزان الكرامة الإنسانية جديرًا بكل الاهتمام.

وكم من مهجّر اليوم يمر بين الناس ولا يلتفت أحد إلى حكايته؟
وكم من إنسان نختصره في حاجته، فلا نرى علمه وخبرته وأحلامه؟

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

وهي كلمة تختصر معنى واسعًا من معاني المسؤولية الإنسانية ،فالإنسان لا يعيش وحده، ومحنة الآخر ليست شأنًا منفصلًا عن ضمير المجتمع.

غير أن الرحمة لا ينبغي أن تبقى مجرد مشاعر.
فالرحمة الحقيقية تتحول إلى فعل، والفعل الحقيقي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه، ويفتح أمامه طريقًا إلى حياة أكثر استقرارًا.

ومن هنا يصبح التكافل أكثر من تقديم الطعام والملابس والمأوى. إنه احترام الإنسان، وحماية خصوصيته، وعدم استغلال صورته أو قصته، وإشراكه في القرارات التي تمس حياته، ومنحه فرصة العمل والتعلم، والحفاظ على صوته واستقلاله.

فالإنسان الذي فقد بيته لم يفقد حقه في أن يقرر مستقبله، والذي احتاج إلى المساعدة لم يفقد حقه في أن يكون شريكًا في صناعة القرار المتعلق بحياته.

وتبقى العودة واحدة من أكثر قضايا التهجير حساسية ووجعًا.

فالعودة ليست مجرد عبور جغرافي من مكان إلى آخر، وليست مجرد فتح باب بيت قديم، بل هي استعادة للأمان والحقوق والقدرة على بدء الحياة من جديد.

قد يعود الإنسان إلى المكان، لكنه لا يجد البيت الذي تركه.
وقد يقف أمام أطلال منزله، يبحث بين الحجارة عن أثر لطفولة مضت.
وقد يعود الشيخ ليبحث عن شجرة زرعها بيديه، أو عن قبر قريب، أو عن عتبة بيت حفظت خطواته سنوات طويلة.

لذلك فإن العودة الكريمة تعني أن يعود الإنسان إلى حياة يستطيع فيها أن يعيش بأمان، وأن يتعلم أبناؤه، وأن يجد عملًا، وأن يحصل على العلاج، وأن يستعيد شيئًا من الاستقرار، وأن يشارك في تقرير مستقبله دون إكراه.

فالعودة ليست نهاية قصة التهجير، بل بداية مرحلة جديدة من جبر الضرر وإعادة بناء الإنسان والمكان والثقة.

ويبقى السؤال الأكبر: ماذا يفعل العالم أمام كل هذا الألم؟

من السهل أن نتعاطف عندما تكون المأساة في صدارة الأخبار، وأن نتأثر بصور الأطفال والنساء والشيوخ، لكن الاختبار الحقيقي للضمير يبدأ عندما تخفت الأضواء وتصبح المعاناة جزءًا من مشهد يومي اعتاد الناس رؤيته.

المسؤولية لا تقع على جهة واحدة.

إنها تبدأ من الإنسان نفسه؛ من الذي يرفض السخرية من اللاجئ، ومن الذي يحفظ خصوصية المحتاج، ومن الذي يمنح فرصة عمل عادلة، ومن الطبيب الذي لا يجعل الفقر حاجزًا أمام العلاج، ومن المعلم الذي يرى في الطفل المهجّر طالب علم لا عبئًا، ومن الكاتب الذي يكتب عن المأساة دون أن يتاجر بها، ومن الإعلامي الذي ينقل الألم بكرامة لا باستغلال.

إن المطلوب ليس أن نطالب المهجّرين وحدهم بالصمود، ثم نتركهم يواجهون تبعات الكارثة بلا سند. فالصمود قيمة عظيمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء الآخرين من مسؤولياتهم.

ليس من العدل أن نقول للضحية: كن قويًا، بينما تبقى أسباب ضعفك قائمة.

وليس من العدل أن نصف صبر الإنسان المهجّر بالعظمة، ثم نتركه بلا تعليم أو عمل أو علاج أو أمان.

إن العالم الذي يريد أن يحافظ على معنى الإنسانية، لا يستطيع أن ينظر إلى المهجّر باعتباره رقمًا في طابور المساعدات، بل عليه أن يراه إنسانًا كامل الحقوق، يحمل ذاكرة وقدرات وأحلامًا ومستقبلًا.

فالتهجير قد ينتزع الإنسان من أرضه، لكنه لا يمنح أحدًا الحق في انتزاع إنسانيته.

والفقر قد يضيّق على الجسد، لكنه لا ينتقص من قيمة الروح.

والمنفى قد يطيل المسافة بين الإنسان ووطنه، لكنه لا يلغي حقه في الحياة والاختيار والكرامة.

إن الشعوب التي عرفت التهجير لا تحتاج إلى عالم يشفق عليها من علٍ، بل إلى عالم يقف معها على قدم المساواة؛ يعترف بوجعها دون أن يسلبها قوتها، ويساندها دون أن يجعلها أسيرة للامتنان، ويحمي حقوقها دون أن يصادر صوتها.

وإذا كان التاريخ سيحفظ أسماء الذين هُجّروا، فإنه سيحفظ أيضًا مواقف الذين وقفوا إلى جانبهم، كما سيشهد على الذين رأوا الألم واختاروا الصمت.

وفي نهاية المطاف، ليست القضية أن نعرف كم إنسانًا فقد بيته، بل أن نسأل أنفسنا: كم إنسانًا استطعنا أن نعيد إليه شيئًا من الأمان؟
كم طفلًا ساعدناه على استعادة مدرسته؟ كم أمًا حفظنا كرامتها؟
كم شيخًا خففنا عنه وحشة الغربة؟
وكم إنسانًا قلنا له بالفعل، لا بالكلمات فقط: أنت لست وحدك؟

إن أعظم شهادة يقدمها الإنسان أمام ضميره ليست أن يقول: لقد حزنت لأجلهم، بل أن يسأل نفسه: ماذا فعلت كي لا يبقوا وحدهم؟

وهنا يقف الضمير الحي سيد الموقف ،لا بوصفه شاهدًا صامتًا على المأساة، بل بوصفه قوة أخلاقية تدفع إلى نصرة المظلوم، وحماية الضعيف، وإقامة العدل، وصون كرامة الإنسان.

فكرامة المهجّر ليست قضية المهجّر وحده، بل هي مرآة كرامتنا جميعًا. فإذا صُنّاها، صُنّا إنسانيتنا، وإذا خذلناها، خذلنا أنفسنا قبل أن نخذل الآخرين.

وما قيمة عالم يتقن الحديث عن الرحمة والكرامة والإنسانية، إن لم يستطع أن يحمي حق الإنسان في بيت آمن، وطفولة مصونة، ولقمة كريمة، وتعليم، وعلاج، ومستقبل لا تصادره الحروب؟

إن الصمود الذي يبديه المهجّرون ليس دعوة إلى نسيانهم، بل شهادة على قدرتهم على الحياة رغم الألم. ومسؤوليتنا ألا نكتفي بالإعجاب بصمودهم، بل أن نساعد على صناعة الظروف التي تجعل هذا الصمود طريقًا إلى حياة كريمة، لا وسيلة للبقاء في دائرة المعاناة.

فالإنسان لا يصبح أقل إنسانية لأنه مهجّر، ولا أقل كرامة لأنه محتاج، ولا أقل استحقاقًا للحياة لأنه فقد وطنه.

ويبقى الأمل قائمًا ما دام هناك قلب يرفض الظلم، ويد تمتد بالعون، وصوت يرفض النسيان، وضمير يرفض أن يتحول الألم إلى مشهد عابر.

لأن الإنسان، مهما اقتلعته الحروب من أرضه، يستطيع أن يحمل وطنه في ذاكرته، وكرامته في قلبه، وأمله في غده.

وحين تتكامل الرحمة مع العدالة، والتضامن مع المسؤولية، والإغاثة مع التمكين، يصبح بالإمكان أن تتحول جراح التهجير من ذاكرة ألم إلى بداية طريق نحو حياة أكثر أمنًا وكرامة.

وهنا، مرة أخرى، يقف الضمير الحي سيد الموقف ،لأن التاريخ لا يسأل فقط: من هُجّر؟
بل سيسأل أيضًا: من وقف معه؟
ومن حفظ كرامته؟
ومن رفض أن يكون صامتًا أمام ألمه؟

إعداد الباحثة السورية: هيفاء البريجاوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى