كتاب وشعراء

خيانةُ المرايا.. بقلم: حامد الضبياني

ليستِ الخيانةُ
أن تخلعَ امرأةٌ ثوبَها
أو أن يضيعَ جسدٌ
في زحامِ الرغبات،
فالمدنُ كلُّها
تبيعُ شيئاً من روحِها
حين يجوعُ الناس،
لكنَّ الخيانةَ الحقيقية
أن ترتدي القبحُ
قناعَ الفضيلة،
وأن يتحوّلَ الشعرُ
إلى مسحوقِ تجميلٍ
تضعهُ الأرواحُ الذابلة
فوقَ ندوبِها القديمة.
أراكِ—
لا كامرأةٍ،
بل كمسرحٍ متعب
تتبادلُ فوقَهُ الأقنعةُ أدوارَها،
مرةً
تدخلينَ بثوبِ الحكيمة،
ومرةً
بصوتِ العاشقة،
ومرةً
بأصابعِ عازفةٍ
تحاولُ أن تُقنعَ العالم
أن الضجيجَ موسيقى.
لكنني
كلما اقتربتُ من كلماتكِ
شممتُ رائحةَ الفراغ،
كأن الحروفَ
قد خرجتْ لتوِّها
من سوقٍ رخيص
باعَ المعاني بالكيلوغرام.
أيُّها الشعرُ
كم تعبتَ
وأنتَ تحملُ فوق ظهركَ
هؤلاء الذينَ
يكتبونَ لا ليقولوا الحقيقة
بل ليصنعوا لأنفسهم
مرايا أكبر!
فبعضُ النساءِ
لا يُردنَ الحبَّ،
بل جمهوراً يصفّق،
ولا يُردنَ القصيدة،
بل صورةً على صحيفة،
ولا يُردنَ الخلود،
بل إعجاباً عابراً
يمرُّ مثلَ دخانِ سيجارة
في فمِ ليلٍ عاطل.
وأنتِ—
كنتِ تظنينَ
أن الشهرةَ
تُشترى بمساحيقِ اللغة،
وأن التصفيقَ
يغسلُ العارَ،
وأن الرجالَ
الذينَ يحيطونَ بكِ
مثلَ ذبابٍ حولَ كأسٍ منسيّ
هم عشّاقُ موهبة!
لا،
كانوا عشّاقَ وهم،
يبحثونَ فيكِ
عن فتنةٍ تصلحُ للنشر،
ففي هذا الزمن
صار الجسدُ
أسرعَ من الفكرة،
وصارت القصيدةُ
تحتاجُ إلى شفاهٍ أكثر
مما تحتاجُ إلى معنى.
يا لهذه العصورِ البائسة،
حتى المثقفون
صاروا سماسرةَ ضوء،
ينشرونَ الرداءةَ
كما ينشرُ بائعُ العطور
روائحَهُ الرخيصة
في الأزقة.
وأنتِ
كنتِ تظنينَ
أن الذينَ يصفقونَ لكِ
يؤمنونَ بكِ،
لكنهم كانوا
يؤمنونَ بما يشتهون،
وكانوا كلما مدحوكِ
إنما يمدحونَ
الفراغَ الذي يسكنهم.
ما أقسى
أن يتحولَ الإنسانُ
إلى إعلان،
وأن تتحولَ الروحُ
إلى واجهةِ متجر،
وأن يصبحَ الأدبُ
حفلةَ تنكّرٍ كبرى
يرتدي فيها الجميعُ
أخلاقاً مستعارة.
أنا لا أهاجمُ امرأة،
بل أهاجمُ زمناً
صار يبيعُ الكلمةَ
لأجلِ حفنةِ تصفيق،
ويذبحُ المعنى
على أبوابِ الشهرة.
فالعاهرةُ الحقيقية
ليستْ من باعتْ جسدَها
لأن الجوعَ قد يفعلُ أكثر،
بل من باعتْ روحَها
وهي تبتسم،
ومن جعلتْ القصيدةَ
سلّماً للصعود
لا صلاةً للنجاة.
كم من شاعرٍ
وقفَ أمامَ المرآة
فظنَّ نفسَهُ نبياً،
وكم من كاتبةٍ
أغرقتها الأضواء
حتى نسيتْ
أن الحبرَ
لا يلمعُ…
بل ينزف.
أيتها الواقفةُ
على شرفةِ الزيف،
لن ينقذكِ
ألفُ مقال،
ولا ألفُ عاشق،
فالروحُ
حين تتعفنُ من الداخل
لا يعطرها المديح.
والقصيدةُ—
مهما زيّنتِها—
تعرفُ صاحبَها،
تعرفُ ارتجافَ الكذب
في أصابعِه،
وتعرفُ متى تكونُ الكلماتُ
مجرّدَ أحذيةٍ لامعة
تخفي أقداماً متعبة.
لهذا
أكتبُ لا لأدينَكِ وحدكِ،
بل لأدينَ هذا العصر
الذي جعلَ من الضوضاءِ موهبة،
ومن التملّقِ نقداً،
ومن الشهرةِ
ديانةً جديدة
يصلّي لها الجميع.
وحدهُ الصدق
يبقى…
عارياً،
فقيراً،
مهملاً،
لكنهُ
حين يكتبُ
ترتجفُ اللغة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى