
★ الشبل المظلوم
كان ياما كان يا سادة يا كرام، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، وُلد الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان بن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الصالحي في مدينة القاهرة، وتحديداً في صفر ٦٥٨ هـ / فبراير ١٢٦٠ م، وقد استبشر والده بمولده واسماه تيمناً بصهره وجد الغلام لأمه، الملك ناصر الدين بركة خان بن جوجي بن جنكيز خان صاحب مملكة القبيلة الذهبية الذي كان قد اعتنق الإسلام، فكان الصغير منذ مهده يجمع بين عراقة بيوت الحكم في الشرق والغرب.
نشأ الملك السعيد في كنف والده الذي كان يطمح لتأسيس سلالة حاكمة قوية، فعهد بتربيته إلى صفوة المربين والفقهاء، وكان من أبرز من أشرف على تثقيفه قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، صاحب الوفيات، والفقيه تقي الدين بن رزين، وقد تلقى فنون الفروسية والمبارزة على يد كبار الأمراء الظاهرية، فبرع في رمي النشاب واللعب بالكرة والصولجان ( البولو)، مما جعل والده يرى فيه الوريث الأنسب لعرش السلطنة المملوكية الناشئة.
في يوم الخميس ٨ شوال ٦٦٦ هـ / ٢٠ يونيو ١٢٦٨ م، عقد السلطان الظاهر بيبرس مجلساً حافلاً بقلعة الجبل، حضره الخليفة العباسي في القاهرة أحمد الحاكم بأمر الله والقضاة والأمراء، وأعلن رسمياً تولية ابنه محمد بركة خان ولاية العهد وسلطنة البلاد مشاركة معه، وألبسه الخلعة السلطانية والتاج، وأمر الأمراء بأن يحلفوا له يمين الولاء، وكان الغرض من ذلك قطع الطريق على الطامعين في الحكم وضمان استقرار الدولة في حال غيابه في الحروب.
تكررت مراسم التأكيد على سلطنته في حياة والده في مناسبات شتى، ومنها ما حدث في يوم الأربعاء ٦ شوال ٦٧١ هـ / ٢٥ أبريل ١٢٧٣ م، حين ركب الملك السعيد بالخلعة والتاج، وحمل الأمراء “القبة والطير” فوق رأسه، وسار في موكب مهيب من باب القلعة إلى شوارع القاهرة، وكان يسير بين يديه كبار الأمراء مثل الأمير سيف الدين قلاوون الألفي والأمر بدر الدين بيسري، وصُبت الدنانير الذهبية على رؤوس الناس احتفاءً بهذا الحدث الذي كرس شرعية البيت الظاهري.
لم يكتفِ الظاهر بيبرس بالبيعة السياسية، بل سعى لتأمين ابنه بمصاهرة أقوى أمراء المماليك، فخطب له في ٦٧٤ هـ / ١٢٧٥ م ابنة الأمير سيف الدين قلاوون الألفي، الذي كان يمثل ثقل المماليك الصالحية القدامى، وتم عقد القران بحضور القضاة الأربعة والوزير بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا، في احتفالية كبرى شهدت توزيع الخلع على الأمراء والصدقات على الفقراء والمساكين في كافة أرجاء الديار المصرية.
في ليلة الخميس ٦ ربيع الأول ٦٧٥ هـ / ١٨ أغسطس ١٢٧٦ م، تم زفاف الملك السعيد إلى خوند (السيدة) غازية خاتون ابنة الأمير قلاوون، وكان زفافاً أسطورياً لم تشهد القاهرة مثله، حيث فُرشت الأرض بالحرير من باب زويلة إلى قلعة الجبل، وأُوقدت الشموع والمشاعل في كل مكان، وحضر الحفل الأمير شمس الدين سنقر الأشقر والأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان هذا الزواج بمثابة وثيقة تحالف عسكري وسياسي بين بيبرس وقلاوون لضمان استقرار حكم الملك السعيد.
وقعت الفاجعة الكبرى بوفاة السلطان الظاهر بيبرس بمدينة دمشق في يوم الخميس ٢٩ محرم ٦٧٦ هـ / ١ يوليو ١٢٧٧ م، وهو في طريق عودته من حملته على بلاد الروم، فقام الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، وهو اليد اليمنى لبيبرس، بكتمان الخبر عن الجيش وأرسل البريد سراً إلى القاهرة لإبلاغ الملك السعيد، خشية أن يثور الأمراء أو يطمعوا في الملك قبل استقرار الأمور للوارث الشرعي في قلعة الجبل.
وصل الخبر إلى الملك السعيد في القاهرة، فاستجمع قواه وبايعه الأمراء الموجودون في القلعة سراً، ثم أُعلن الخبر رسمياً في صفر ٦٧٦ هـ / يوليو ١٢٧٧ م، وجلس الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان على تخت الملك منفرداً ، كـ “خامس سلاطين المماليك”، واستقبل البيعة من الأمراء بدمشق وحلب، وثبت الأمير بدر الدين بيليك الخزندار في منصب نائب السلطنة، والوزير بهاء الدين بن حنّا في الوزارة، والشيخ فخر الدين بن لقمان في ديوان الإنشاء، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر.
بدأت حوادث سلطنته منفرداً في عام ٦٧٦ هـ / ١٢٧٧ م بهدوء نسبي، حيث انشغل السلطان الشاب بتوزيع الأموال على المماليك الظاهرية لضمان ولائهم، ولكن سرعان ما بدأت الغيرة تدب في قلوب الأمراء الكبار، خاصة بعد أن قيد الملك السعيد نفوذهم، ومال في تقريبه لمجموعة من المماليك الشبان “الخاصكية” الذين لا خبرة لهم، وكان يتصدرهم الأمير لاجين و قلاوون الصغير، مما أوجد جفوة بين القصر وبين حرس الدولة القديم.
في عام ٦٧٧ هـ / ١٢٧٨ م، بدأت التحركات الفعلية للملك السعيد لفرض سيطرته المطلقة، فقام بزيارة لدمشق في شهر ربيع الأول ومعه الوزير ابن حنّا، وهناك استقبل وفوداً من أمراء الشام وحكام الحصون، وحاول استمالة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب دمشق، إلا أن الأمور بدأت تتعقد بسبب تدخل الأمير كوندك الظاهري، الذي كان يلعب دوراً مزدوجاً في تحريض السلطان ضد الأمراء الكبار وتحريض الأمراء ضد السلطان.
خلال شهر رجب ٦٧٧ هـ / نوفمبر ١٢٧٨ م، عاد الملك السعيد إلى القاهرة وقرر إجراء تغييرات إدارية واسعة، فعزل بعض نوابه في الأقاليم واستبدلهم بخلصائه، مما أدى إلى غضب الأمير سيف الدين قلاوون الألفي والأمير بدر الدين بيسري، وهما من أكابر المماليك الصالحية، وبدأ هؤلاء الأمراء يشعرون أن السلطان الشاب يسعى لتصفية نفوذهم التاريخي الذي بنوه في عهد والده الظاهر بيبرس.
مع دخول عام ٦٧٨ هـ / ١٢٧٩ م، بلغت الأزمة ذروتها حين قرر الملك السعيد الخروج في حملة عسكرية إلى بلاد “سيس” (مملكة أرمينيا الصغرى)، وكان الهدف الحقيقي هو إبعاد الأمراء الكبار عن القاهرة، فخرج بالجيش في ربيع الأول ٦٧٨ هـ / يوليو ١٢٧٩ م، وصحب معه حماه الأمير قلاوون وبقية الأمراء “الأكابر”، وترك في القاهرة نائباً عنه الأمير كوندك، وكان هذا القرار هو المسمار الأخير في نعش ملكه.
بينما كان الجيش في بلاد الشام، وقعت مشاحنات كبيرة بين السلطان والأمراء، حيث اتهمهم بمحاولة التآمر عليه، وسجن بعض أتباعهم، فخشي الأمراء على حياتهم واتفقوا على العودة إلى القاهرة لخلعه، وكان المحرض الأكبر لهم هو الأمير كوندك الذي وافاهم بالأخبار، فانسحب الأمراء بقواتهم من الحملة وعادوا مسرعين نحو الديار المصرية، مما جعل الملك السعيد في موقف عسكري حرج جداً.
وصل الأمراء إلى القاهرة في ربيع الآخر ٦٧٨ هـ / أغسطس ١٢٧٩ م، وضربوا حصاراً خانقاً على قلعة الجبل حيث يتحصن الملك السعيد الذي كان وصل قبل ذلك بأيام قليلة ،ومماليكه الخاصكية، وطالبوه بتسليم الأمير كوندك وعزل أصحابه المفسدين، فرفض السلطان في البداية معتمداً على مناعة الأسوار، وجرت مناوشات بين الطرفين سقط فيها قتلى من الجانبين، وتدخلت والدة الملك السعيد، ابنة الملك بركة خان، للتوسط بين ابنها وبين صهرها قلاوون.
استمر الحصار عدة أيام، وقطعت الميرة والماء عن القلعة، وأحس المماليك الظاهرية داخل القلعة بالضعف، فبدأوا بالانسلال والانضمام إلى معسكر الأمراء الكبار، وعندما رأى الملك السعيد انفضاض الناس من حوله، وافق على عرض الأمراء في يوم الأحد ١٨ ربيع الآخر ٦٧٨ هـ / ٢٨ أغسطس ١٢٧٩ م، وهو التنازل عن السلطنة مقابل منح ملك مدينة الكرك وتوابعها لتكون مأوى له ولأسرته.
خرج الملك السعيد من قلعة الجبل في موكب حزين، وتوجه إلى حصن الكرك المنيع في بلاد الشام، وبصحبته زوجته غازية خاتون ووالدته وبعض مماليكه المخلصين، وبمجرد خروجه، نودي بسلطنة شقيقه الصغير الملك العادل سلامش، مع قيام الأمير قلاوون بالوصاية عليه، وهو ما كان تمهيداً لانتقال السلطة بالكامل لبيت قلاوون لاحقاً، وبذلك طويت صفحة حكم الملك السعيد في القاهرة.
أقام الملك السعيد في الكرك محاولاً ترتيب أوراقه، وكان يراسل بعض الأمراء في الشام آملاً في استعادة عرشه، ولكن الأمير قلاوون الذي تسلطن فعلياً ولقب بالملك المنصور كان يراقب تحركاته بدقة، وظل الملك السعيد في عزلته يمارس الرياضة والفروسية ويقضي وقته في القنص، وبدأ يميل في أواخر أيامه إلى مجالسة الفقهاء والقراء، معبراً عن ندمه لعدم الاستماع لنصائح والده في مداراة كبار الأمراء.
جاءت وفاة الملك السعيد بشكل مفاجئ وفاجع، فبينما كان يلعب بالكرة والصولجان (البولو) في ساحة الكرك، سقط عن جواده سقطة شنيعة أصيب على إثرها بنزيف حاد وحمى شديدة لم تمهله طويلاً، وقيل إن المرض اشتد عليه حتى فارق الحياة في يوم الجمعة ٧ ذو القعدة ٦٧٩ هـ / ٢٨ فبراير ١٢٨١ م، ولم يتجاوز من العمر إحدى وعشرين سنة، مما أثار حزناً عميقاً بين محبيه الذين رأوا فيه ريعان الشباب الضائع.
ذكر المؤرخون في تفسير وفاته آراءً متباينة؛ فمنهم من أكد أنها كانت قضاءً وقدراً بسبب السقوط عن الفرس كما ذكر ابن عبد الظاهر في “الروض الزاهر”، بينما ذهب آخرون مثل المقريزي في “السلوك” إلى أن هناك شكوكاً حول تسميمه بإيعاز من السلطان المنصور قلاوون لإنهاء خطر مطالبته بالعرش، إلا أن الرواية الرسمية والشائعة هي الوفاة الطبيعية الناتجة عن تداعيات السقوط في الميدان.
دفن في الكرك ثم نُقل جثمانه من الكرك إلى دمشق في تابوت، وصلى عليه الناس هناك، ودُفن بجوار والده السلطان الظاهر بيبرس في التربة الظاهرية (المدرسة الظاهرية) التي كان قد أنشأها والده، وقد رثاه الشعراء بقصائد مؤثرة، وكان يوماً مشهوداً في دمشق حضره نواب الدولة والقضاة والأعيان، وبموته انفرط عقد البيت الظاهري تماماً وانتقلت الزعامة المطلقة لبيت المنصور قلاوون الألفي.
كان الملك السعيد بركة خان شاباً قسيم الوجه، أبيض البشرة بياضاً مشرباً بحمرة، مديد القامة، عريض المنكبين، حسن العينين، كث اللحية، يشبه والده في هيئته وفروسيته إلا أنه كان يميل إلى الترف والنعومة أكثر منه، وكانت مدة سلطنته منفرداً سنتين وشهرين وثمانية أيام، وصفه مؤرخو العصور الوسطى بأنه كان ملكاً جواداً سمحاً، قليل الخبرة بمكائد السياسة، غلبت عليه صحبة الأحداث من أقرانه.