فيس وتويتر

حسام السيسي يكتب :حين يدّعي الكبير ما لم يفعل، يفقد احترام الكبار.

في زمنٍ يُصنع فيه المجد على الشاشات لا في الميادين، خرجت الأبواق الإعلامية، مدعومةً باللجان الإلكترونية وبعض الوجوه المعروفة بخطاب “دور مصر”، لتعلن نفسها «الدرع التاريخي» للفلسطينيين، في مشهدٍ بدا أقرب إلى استعراضٍ دعائيٍّ يستعير ذاكرة البطولة لستر عجز الواقع.
كنت أتابع المشهد وأتساءل: متى فقد الخطاب المصري اتزانه؟ كيف تحوّل من صوتٍ يُلهم المنطقة إلى صدى لنفسه؟ لم يكن الأمر مجرد مبالغة إعلامية، بل انقطاع كامل عن الواقع. كأن الوطن صار يتحدث إلى مرآته، يمدح صورته في حين تتكسر من حوله الحقائق. لم يبقَ من الكبرياء سوى ادعاءٍ أجوف، يختبئ خلف عبارات البطولة المستعارة من زمنٍ لم نعد نملكه.
البيانات تتحدث، والحقائق لا تُجمَّل: لا في بداية الحرب كان هناك دورٌ مصريٌّ مؤثر، ولا في نهايتها ارتسمت القاهرة كقوةٍ فاعلةٍ في الميدان أو المفاوضات. كل ما حدث كان صخبًا من خلف الزجاج، ونوباتٍ من الادعاء الوطني المصطنع، تُسوّق لإنجازٍ لم يكن، وكأن مجرّد تكرار عبارة “الوساطة المصرية” كافٍ لاستعادة هيبةٍ فقدتها السياسة بفعل التردّد والارتهان.
إن مصر لا تُقاس بما يروّج عنها إعلامها، بل بما يراه العالم من أفعالها.
والدول الكبرى — كما الأفراد الكبار — لا تحتاج إلى اختراع بطولات كي تثبت وجودها.
الكبير حين يصمت، يفرض احترامه.
وحين يدّعي ما لم يفعل، يفقد احترام الكبار.
لقد تحوّل الخطاب الدعائي المصري إلى هستيريا تبرير جماعي، تُنتجها مؤسسات إعلامية لا تبحث عن الحقيقة بل عن مبرّر للبقاء. والنتيجة: صورةٌ مرتبكة لبلدٍ يُفترض أنه قائد الإقليم، لكنه اختار أن يظهر كمُعلّقٍ سياسيٍّ على أحداثٍ تجري أمامه لا بيده.
والأغرب، أن هذه الادعاءات لم تُقنع أحدًا: لا الفلسطيني الذي يرى مأساته عيانًا، ولا العالم الذي يرصد بدقةٍ مَن يصمد ومَن يصنع الضغط ومَن يقدّم المبادرات الحقيقية.
لقد أصبحت مصر، بفضل خطابها لا سياستها، موضوع سخريةٍ في الشرق والغرب. لا لأنها ضعفت، بل لأنها ادّعت ما لم تفعل.
في المقابل، خرجت غزة من تحت الرماد مرفوعة الرأس.
شعبٌ جُرّد من كل شيء إلا الكرامة، وواجه آلة حربٍ لا يواجهها إلا الجبابرة.
ذلك هو الفارق بين من يصمد بالفعل ومن يتحدث باسم الصمود.
بين من يقاتل ليحيا، ومن يتحدث ليُنسى.
ومصر التي لا تحتاج إلى وسام من أحد تستحق أكثر من هذا التمثيل الزائف.
تستحق أن تستعيد معناها الحقيقي، لا صورتها التلفزيونية.
فليصمت من يختلقون البطولات،
وليتحدث الفعل حين يحين دوره.
لأن الكبير حين يدّعي ما لم يفعل،
يفقد احترام الكبار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى