كتاب وشعراء

حوار مع الأكاديمي والقانوني والشاعر د. محمد سعيد المخلافي…حاوره الشاعر صالح حمود

يسعدنا في هذا الحوار أن نستضيف قامةً جمعت بين صرامة القانون ورهافة الأدب، الدكتور محمد سعيد المخلافي، الشخصية القانونية الأكاديمية التي أسهمت بعلمها وبحوثها في إثراء الحقل القانوني، وشاركت في ترسيخ وعي معرفي قائم على الفهم العميق لقضايا العدالة والمجتمع.
ولم تتوقف مسيرته عند حدود القانون والدراسة الأكاديمية، بل امتدت إلى فضاءات الإبداع الروائي والشعري، حيث قدّم نصوصًا تجمع بين دقة الفكر القانوني وخصوبة الخيال الأدبي، في تجربة تعكس تلاقي العقل والوجدان.
وفي هذا اللقاء نقترب من محطات تجربته الثرية والمتنوعة، ونتعرف على رؤيته المتميزة للقانون ودوره في المجتمع، كما نتوقف عند عالمه الروائي والشعري، ومصادر إلهامه، والعلاقة بين النصين القانوني والإبداعي في مشروعه الفكري، في حوار نأمل أن يفتح آفاقًا جديدة أمام القارئ الكريم.

س: تجمعون بين القانون والأدب، وهما مجالان يبدوان متباعدين ظاهريًا؛ كيف أثّر التكوين القانوني في لغتكم الأدبية ورؤيتكم للإنسان والعدالة؟

القانون علّمني أن كل كلمة تحتمل التأويل، فصرتُ أميل إلى الدقة المتوترة في كتاباتي، وإلى السؤال الموضوعي بدل الأحكام. ورؤيتي للإنسان أصبحت قانونية أيضاً بنحو ما؛ أرى فيه مُتَّهماً محتملاً بعد تتويجه بطلاً من قِبل الجميع، وبريئاً بعد أن يشير الكافّة إليه بأصابع الاتهام. أما رؤيتي للعدالة، فاستسمحكم في التصرّف بالسؤال قليلاً ليكون مجال استفهامه حول رؤيتي للعدالة بوصفي أديباً -أو أتعاطى ألواناً من الأدب بالأحرى -لا بوصفي قانونياً لا مهرب له من الدوران حول المفهوم الموضوعي والإجرائي للعدالة. حيث مكّنني الأدب من رؤية العدالة خارج دائرة المفاهيم والنصوص الناجزة، فبدت لي مثل مسافة فاصلة بين الحقيقة وتحولاتها. كما أرى فيها إرهاف عاطفة، وتوثّب ضمير، وحصافة رحمة.

س: في تجربتكم الثقافية والمؤسسية، كيف ترون دور المثقف اليوم: هل ما يزال قادرًا على التأثير في الوعي العام، أم أن حضوره أصبح رمزيًا أكثر منه فاعلًا؟

سأبدأ بملخص رأيي: إن المثقف لم يعد بالحضور الاحتفالي كالسابق، إلا أن حضوره لم يصبح رمزياً بالكامل، لأن ما يقبع في الهامش هو الأثر لا الدور. وعِلّة هذا الأمر هي أن سلطة المثقف السابقة كانت مرتبطة بقلة الوسائط؛ فصار صوته اليوم يبتلعه الضجيج ويذوب في الضوضاء. لكني، برغم ذلك، ما زلت أثق بفاعلية دور المثقف القادر على التحليل العميق وليس التعليق السريع– حتى لو قُرئ على مهل –، وأشد من ذلك ثقتي بقدرته على مقاومة التفاهة بقيَمٍ غير قابلة للاستهلاك السريع.

س: تكتبون المقالة والشعر والرواية، ولكل جنس أدبي منطقه الخاص؛ كيف تحددون الشكل الذي تخرج به الفكرة أو التجربة؟

بالنسبة لي، المقالة للفكرة التي تحتاج جدلاً ونقداً، والشعر للالتماعة التي تفاجئني قبل القارئ، والرواية للكثير من الالتباسات والتعقيدات التي لا تكتفي بمجرد التجسيد أو الشرح، وتتضمن إجابات عن تساؤلات: لماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وعلى أنه يرد على عموم التجربة استثناءات، فأحياناً تبدأ الفكرة في مقال فتفاجئك بأنها تريد حكاية، أو يدهمك  شعر  بفكرة ثم تكتشف أنها لا تحتمل غير صمت بارد ومفجع.

س: بصفتكم أكاديميًّا في القانون، هل تعتقدون أن النص القانوني يمكن أن يحمل بُعدًا جماليًّا أو إنسانيًّا شبيهًا بالنص الأدبي؟ وكيف؟

إلى حد ما، نعم. فالنص القانوني الجيد، عالي الإدراك، يمتلك جمالاً هندسياً، هو شعر الرياضيات اللغوية إن جاز التعبير. كما أن نصوصاً مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحمل نزعة إنسانية شفيفة كقصيدة نثر. وعندما يُكتب القانون عموماً بوعي أنه خطاب موجّه لإنسان لا لروبوت آلي، فسيبدو قريباً من الأدب روحاً، حتى لو افتقد جسده ما للأدب من ملامح ذاتية بارزة الإحساس والشعور.

س: في زمن السرعة والمنصات الرقمية، هل تغيّرت وظيفة الأدب مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة؟

لم تتغير جوهرياً. الأدب ما زال يحترف الحفر والتعميق، مستنبطاً الإفادة والفائدة، وإن تغيرت طريقة وصوله. وأرى أن وظيفته تتحدد في سياق المقارنة عينها بين ماضيه وحاضره، وتتمثل فيما يمكن إيجازه بـ”استحضار الأصل والأصيل”. من يقرأ رواية في زمن المنصات كمن يصوم في ليل الولائم، فعل مضاد للمنطق الظاهري، لكن لعل هذا ما يجعله جذّاباً أكثر.

س: الشعر بالنسبة لكثير من الشعراء ليس مجرد كتابة، بل طريقة في الوجود؛ كيف تعرّفون علاقتكم الشخصية بالشعر؟ ومتى تشعرون أن القصيدة قد اكتملت فعلًا؟

الشعر بالنسبة لي طريقة لامتلاك كل ما نمر عليه مروراً كريماً أو لئيماً. ينطلق حين يشعر بملل حروفك اليومية، وسأم لغتك من ذاتها، وحين تعجز عن وصف أو تفسير عواطفك. والقصيدة قد تكون أي شيء آخر غير الشعر، إذا لم تقطع باستقلالها عنك، وبأنه يمكنها أن تصرخ وتبكي وتضحك دون إذنك.
وأشعر باكتمالها فور ولادتها، وأشاهد ذلك الصوت الذي كان يؤرقني محبوساً داخلها.

س: إلى أي حدّ تتقاطع الحساسية الشعرية مع خبرتكم القانونية؟ هل تمنحكم القصيدة مساحة لتعويض ما يفرضه القانون من صرامة وحدود؟

سأقول إن مظهر الموازاة بينهما يتجلى في أن الشعر يمثل– في أي واقع مهني –حيّز استجمام ومتنفس، يتشكل تلقائياً من عناء التعب الجسدي والنفسي، ومن تأجج العواطف المكبوتة. ومن أهم ما تمنحه القصيدة في سياق هذه العلاقة بالذات (الشعر/القانون) هو انفجارها بالتفاصيل الإنسانية، التي لا يستوعبها القانون بطبيعته العامة والمجردة. فكان أن قلت يوما: إن كل قاضٍ يحتاج شاعراً في أذنه، كي ينبهه إلى أن وراء كل قضية روحاً لا محض أوراق ونصوص.

س: نلاحظ في الشعر المعاصر حضورًا قويًّا للأسئلة الذاتية والقلق الفردي؛ برأيكم، هل ما يزال الشعر قادرًا على حمل القضايا الكبرى والهمّ الجمعي دون أن يفقد شاعريته؟

دعوني أبدأ من حيث انتهى السؤال، وذلك ببيان معتقد أولي، وهو أن الشاعرية هي ما تجعل من الكلام شعراً ولو افتقد الوزن والقافية، والعكس بالعكس. لكن من حيث الأثر ومقداره، فإنه يتوقف على دقة الشعور وصدقه، ووصوله إلى ذلك القدر الذي يجد فيه الكثيرون أنه ينوب عنهم في بث شجونهم.
وبالنسبة لمطلوب هذا السؤال، أجيب بنعم بلا أدنى تردد. فالشعر يحمل القضايا الكبرى بالفعل من بوابة الذات الجريحة؛ فحزن شاعر على طفل ينتعل الرصيف البارد يُعبر عن فقدان الأمن الإجتماعي في الأوطان، بنحو أبلغ وأقوى أثراً من أي خطاب أو تصريح يترجم انفعالات كبرى حماسية لم تعد في الموضوع وتعدّتها المأساة.

س: حين تكتبون الرواية، هل تنطلقون من الفكرة أم من الشخصيات؟ وهل تستعير الرواية شيئًا من خبرتكم الأكاديمية أو المؤسسية؟

أنطلق من الفكرة، أو هذا ما يمكنني التصريح به كمبدأ شخصي في الكتابة الروائية، وقد يختلف البعض معي حول ذلك، نظراً لتعدد الأبعاد في هذه المسألة. وأنا بالمناسبة أذهب إلى أبعد مدى بهذا الشأن، فلا أرى أي شيء سوى فكرة في مجال فكرة أكبر، وهكذا. وللتوضيح، نأخذ هذه المقابلة مثالاً؛ فقد تكرمتم بإعداد أسئلتكم القيمة في فضاء يخلو مني تماماً كذات– وإن حضرت أطياف تتصل بشخصيتي لا بذاتي –بينما كانت الفكرة حاضرة هناك بقوة، وتتمحور حول معنى تعدد الاهتمامات والمزاولات، ومنه جاء هذا الحوار الطيب بغرض البيان والاستجلاء. الفكرة هي التي تخلق الشخصية أو تقود إليها– وذلك بالمعنى الفني المطروق للشخصية في نطاق الأدب الروائي.
أما ماذا أستعير من خبرتي الأكاديمية، باعتماد هذا اللفظ”الاستعارة”على تحفظٍ بخصوص الإرادة هنا وإرجاع المُعار، فهو تمسّكي لا إرادياً بمنطق داخلي قاسٍ، أو على درجة عالية من كسر الأنماط بعبارة أخرى.
لا خير بالمطلق ولا شر كذلك. وهذا ما بدا جليّاً وصارخاً في روايتي الأولى، وكذلك في شخصيات روايتي القادمة- في طور الإخراج النهائي ولله الحمد -؛ إذ تخلو من الطَّرز المثالي والنَّسق الواحد النموذجي، وتجد فيها تلك الثنائية والخليط المتناقض، برغم جوّها “الفنتازي” ومزاجها الساخر. الأمر الذي وضعته تحت مجهر التأمل مراراً، وخرجت منه بقناعة أن ملكة الكتابة الروائية تفعل وتنفعل بطريقة تحت شعورية خارجة عن سيطرتنا الواعية، تشبه قليلاً في هذا أختها غير الشقيقة، القريحة الشعرية.
وعلى أية حال، يُعتبر السرد الأدبي مختبراً واقعياً لاختبار أثر القانون على البشر. يمكن تحليله كمادة قانونية متحركة، حيث إن أعمال دوستويفسكي وكافكا مثلاً كشفت عن عيوب نظام الأدلة والإجراءات بشكل أسبق من النقاش القانوني الأكاديمي. كما يمكن الاستناد إلى الأدب لفهم “الدافع” الذي يعجز القانون عن تقنينه أو مراعاته كاملاً. علاوة على أنه يعيد ترميم ما حطّمه النص القانوني الجامد، كمحكمة موازية تمنح البراءة أو الإدانة أيضاً، بجانب تفردها بمنح الفهم والرثاء، وهذا الأخير ما نحتاجه خصوصاً للتخفيف من ضراوة الأمر الواقع.

س: لو طلبنا منكم توصيف المشهد الثقافي العربي اليوم بكلمة أو صورة شعرية، فكيف تصفونه؟ وما الذي يحتاجه ليستعيد حيويته وتأثيره؟

أرى المشهد الثقافي العربي اليوم أشبه بقنديلٍ أنيق في مهب الريح؛ يحتفظ بوهج النار الأولى، لكنه يحتاج إلى من يحميه من العتمة لا من الريح.
وبخصوص الشق الآخر من هذا السؤال، ربما من الأجدى نفي ما قد يغلب الظن بأنه يحتاجه، وهو الدعم المادي. وهذا ما أتصدر بنفيه-ولا بأس إن وصفني القارئ هنا بالرومانسي الحالم -بتصريح قاطع: إن ما يحتاجه للحيوية والتأثير خارج قائمة الماديات بأسرها؛ كالإيمان أولاً بالكلمة بوصفها فعلاً خلّاقاً، والإصغاء العميق المتحرر من صدى الصوت المنتفع خطاباً ومُخاطَباً، والجرأة الموضوعية، واحترام القارئ كعقل لا كمتلقٍ. كما يحتاج كذلك إلى ترجمات حقيقية للواقع، وإلى أن يتوقف عن محاكاة نفسه. وللكثير من الحرية بالطبع.


اعداد وحوار:
الشاعر د. صالح حمود

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى