
بعد يوم واحد تقريبا من تصويت مجلس الشيوخ الامريكي على قرار “غير ملزم” بتقييد صلاحيات الرئيس في موضوع الحرب مع ايران ، عاد المجلس للتصويت مرة أخرى، وهنا تغيرت النتائج، فبعد ان تم تمرير القرار الاول ب50 مقابل 48 ، تغيرت النتيجة في التصويت اللاحق ب 50 مقابل 47 ولكن لصالح رفض التقييد.
ما دلالات هذا التغير السريع ؟:
1- البعد الاجرائي في التصويت: قد تكون هذه احدى عيوب الديمقراطية ، إذ ان اغلبية مهما كانت بسيطة كافية للانتقال من النقيض الى النقيض في القرار ، فالفرق بين 50 و 49 مثلا هو صوت واحد ،لكن هذا الصوت يكفي لإبطال او تمرير قرار معين، وهو ما يمكن اعتباره “الاستبداد الديمقراطي”، اي تحكم صوت واحد من بين 100 صوت في نتيجة القرار.
2- ظروف التغير في التصويت : طبقا لما نقلته وسائل الاعلام الامريكية ، أثار التصويت الاول غضب الرئيس ترامب، وشعر بان سيطرته على حزبه تهتز، وهو ما دفعه للتحرك السريع والضغط على اعضاء الحزب في مجلس الشيوخ وعددهم 53 لاعادة التصويت وتغيير النتيجة ، وشعر بعض الاعضاء ان المواجهة مع الرئيس ستضر الجميع (مؤيدون ومعارضون للقرار على حد سواء).
3- لكن التصويت الاول نبه ترامب الى ان القلق من سياساته في الحرب على ايران أصبحت مشكلة للحزب الجمهوري امام ناخبيه الذين يميلون مع اغلبية المجتمع الامريكي الى عدم الرضا عن الحرب مع ايران.
ان الانقسام داخل الحزب الجمهوري كان مؤشرا واضحا في التصويت الاول ، فالتيار الانعزالي او المحافظ داخل الجمهوريين يرى اهمية دور الكونجرس في مواجهة نفوذ السلطة التنفيذية ، لكن ترامب ادرك خطورة ذلك ، وهو ما دفعه الى اجتماع طارئ مع حزبه، وطبقا لما تواتر من انباء فقد علا الصراخ خلال الاجتماع وبخاصة في النقاش بين ترامب والسيناتور بيل كاسيدي ، كما ان لقاءات نائب الرئيس مع “المترددين في الجمهوريين” من الاعضاء في مجلس الشيوخ دفعهم الى تغيير موقفهم، نسبيا، إذ ان احدهم وهو راند بول صوت “حاضر” (وهو ما يعادل الامتناع عن التصويت)،وهو تحول عن موقفه الاول.
في تقديري ،اعاد ترامب السيطرة على حزبه مؤقتا ، لكن ذلك لا يلبي رغبات كل الجمهوريين الذي يعلمون ان التصويت في الانتخابات النصفية قد ينعكس على حظوظ فوزهم بالمقاعد إذا تشبث ترامب بمواقفه المضطربة من الحرب مع ايران.
ويكشف الحوار بين ترامب والعضو بيل كاسيدي مستوى الحدة داخل الحزب الجمهوري، فطبقا لبعض الاعلام الامريكي ، وصف ترامب العضو كاسيدي “بالمجنون أو الطائش”(Launatic) وطالبه بالجلوس، ورد عليه كاسيدي “أنت اخي” فرد ترامب “لا لست اخاك”. لكن هذا الصراخ المتبادل لا يجوز ان يستر خلفيته، فالعلاقة بين ترامب وكاسيدي علاقة “خصومة” قبل التصويت، فقد كان ترامب مساندا لخصم كاسيدي في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وهو ما لم يغفره كاسيدي.
ويبرر كاسيدي موقفه على ان السلطة التنفيذية(الرئيس) وعدت بان الحرب ستستمر 4 اسابيع لكنها طالت الى 4 شهور دون تحقيق اية نتائج من الاهداف المعلنة للحرب.
الخلاصة:
من الواضح ان الرئيس ترامب يواجه عدة معضلات :
أ- تداعيات الخلافات داخل الحزب الجمهوري عند كل قرار استراتيجي.
ب- تداعيات تراجع شعبيته التي تؤكدها كل استطلاعات الرأي العام الامريكي
ت- خلافاته الداخلية مع قوى ونخب سياسية امريكية بخصوص العلاقة مع اوروبا بشكل خاص والناتو بشكل عام.
ث- المداراة المتواصلة له لروسيا بخاصة في اوكرانيا.
ج- قد يكون موقفه الاخير من نيتنياهو له “بعض ” التأثير في انصاره من اللوبي اليهودي دون مبالغة في هذا التأثير.
ح- ظهور ايران بوضع تفاوضي وميداني بشكل افضل كثيرا مما رسمه ترامب في ذهن الامريكيين بشكل خاص والعالم بشكل عام.
خ- لديه قلق واضح من احتمالات تأثير ما يجري على نتائج حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة.
د- اهتزاز صورة الحماية الامريكية في دول مجلس التعاون الخليجي بعد تعرضها لضربات ايرانية
ذ- الرزانة الصينية والاتساق الاجرائي في ادارة سياستها الخارجية مقابل دبلوماسية ما اسميناه “دبلوماسية النرد” الامريكية التي يتبعها ترامب، وهو امر يدركه ترامب من خلال تقارير مستشاريه.
اخيرا، قرار مجلس الشيوخ الجديد يشير الى استعادة ترامب بعضا من تحكمه في حزبه، ورغم ادراكه ان القرار ليس ملزما قانونيا، لكنه مؤشر سياسي على نجاح نسبي لكنه عابر و “غير مضمون الاستمرارية ” تجاه الحزب الجمهوري، بخاصة إذا عادت الحرب مع ايران مرة اخرى، وتزداد المغامرة اذا تمكنت ايران من استمرار صمودها في المواجهات المحتملة. عرض أقل