
قرَّر والدا لونا، أخذها برحلة بحرية إلى جزيرة أرواد، المطلَّة على مدينتهم التي تبعد عن الشاطئ حوالي ٣كم.
كانت رحلتها البحرية الأولى بعد أن دخلت المدرسة.
رهبة ركوب البحر حدَّت من فرحتها قليلاً، حيث أبدت ملامحها الخوف وأخذت تتمسَّك بردن أبيها وهي تخطو من رصيف الميناء إلى المركَب الذي كان يتأرجح فوق الأمواج بحركة تشبه النواس.
_ أشعر بالخوف بابا
_ لا تخافي صغيرتي، فقط تمسَّكي بي وكوني شجاعة؛ تنتظرك رحلة ممتعة، دقائق وتبدأ الرحلة.
عبرت إلى المركب وأخذت مكانها بين والديها في مقدمته.
انطلق المركب وبدأ نسيم البحر الرطب يداعب خصلات شعرها المتطايرة، وبدأت تنفرج أساريرها، وهي تتابع حركات الموج الهادر وأسراب النوارس المحلِّقة على مستوى منخفض وكأنها تعانق الموج.
رفعت لونا صوتها ليعلو فوق صخب الموج سائلة:
_ كيف تنام الأسماك ماما؟
_ الأسماك ياصغيرتي لا تغمض عيونها حين تنام، فهي لا تملك أجفاناً، نستدلُّ على نومها بانخفاض نشاطها الحركي وقلَّة تنفُّسها.
بعضها ينام في الرمال في أعماق البحر والبعض يفرز طبقة مخاطيَّة تحيطه لتبعد عنه المفترسات خلال نومه.
لونا تحب المعرفة فقد شغلت والديها بأسئلة شتَّى عن المراكب الطافية وكيف لا تغرق؟ وعن نجمة البحر وعروس البحر هل هي حقيقية؟ وكان الأبوان يجيبان عليها بكلِّ حبٍّ.
مضى الزمن بسرعة فائقة ونزلوا مرفأ الجزيرة. طالعتهم أبنيتها القديمة بأزقَّتها الضيِّقة، ودكاكينها التي تزخر بمنتجات البحر من أصداف متنوِّعة وألعاب شتَّى، كلها صمِّمت بفنٍّ وحرفيَّة لترضي أذواق السائح الذي يحبُّ أن يقتني بعضها للذكرى.
أعجبت لونا بعلبة من الأصداف، اشترتها لتضع فيها أقلامها وألوانها.
على الشاطئ الشرقي للجزيرة ظهر لهم “البرج” أو “الحصن الأيوبي”.
حكى لها والدها بأنَّ القلعة، استخدمت سجناً للثوَّار إبان الاحتلال الفرنسي لبلادنا.
أكملوا الجولة ورأت السور القديم الذي يحيط بالجزيرة كما يحيط السوار بالمعصم، وقد بُنِي لحماية الجزيرة من هجمات الأعداء، ولصدِّ العواصف خلال فصل الشتاء.
في الجانب الجنوبي والغربي من الجزيرة، رأوا ورشاتٍ عدَّة لصناعة المراكب والسفن
وأعجبت لونا بدقَّة العمل وحرفيَّته، وقد رأت المراكب بكلِّ مراحل صناعتها من ألواح الخشب إلى الطلاء.
أخيراً اختتموا الجولة بغداء من السمك في مطعم يشرف على حافّة الماء،حيث جلست ترقب الأسماك الصغيرة جداً وهي تتسابق على التهام الفتات الذي يلقى لها من الصغار والكبار، اللذين يتابعونها بفرح بالغ.
أمسكت لونا قطعة كبيرة من الخبز وألقتها في الماء، فهجمت عليها عشرات الأسماك الصغيرة وماهي إلا ثوانٍ وكانت قطعة الخبز أثراً بعد عين.
بعين الدهشة والاكتشاف، كانت تتابعها، وتعيد الكرة، المرَّة تلو الأخرى وصيحات الإعجاب والضحكات ترافقها.
يبدو أنَّ الأسماك الصغيرة أكلت أكثر من لونا التي نسيت الطعام، أمام فرحتها بصغار الأسماك الجائعة.
مضى الوقت سريعاً، وكان طريق العودة أقل خوفاً، وأكثر غنىً وسعادة، للونا الصغيرة.
فريزة محمد سلمان