كتاب وشعراء

يدٌ تعترفُ بالصّمتِ…..بقلم نوميديا جروفي

في تلك اللحظة التي لم يكن لها اسم، كانت يدها وحدها تتكلم.
لم تكن تمشي في الحقل، بل كأنّ الحقل هو الذي كان يمرّ عبرها، سنابل القمح تميل، لا لأنّ الريح تدفعها، بل لأنّ شيئًا في داخلها يُشبه الاعتراف،فيدها المُمتدّة ببطء بَدتْ كأنّها تلمسُ العالم لتتأكّد أنّه ما يزال موجودًا أو لعلها تتأكّد أنّها هي ما تزال هنا.
كانت أصابعها مُتْرّبة، لا من عملٍ شاق بل من تردّد طويل كأنّها حفرت في الأرض لتبحثَ عن شيء ضاع منها منذ زمن ولم تجده،أو وجدته وخافتْ أن تعترف.
قالت في سرّها: هل يمكن لليد أن تذنب؟
سؤال سخيف، هكذا ظنّت في البداية، فالذّنب يسكن القلب أو هكذا علّموها. لكن قلبها كان صامتًا، صامتًا بشكلٍ مُخيف كأنّه تخلّى عنها في اللّحظة التي احتاجته فيها أكثر.
تذكّرتْ، لم يكن ذلك اليوم مُختلفًا عن سواه، الشّمس نفسها، الطرقات نفسها، الوُجوه نفسها التي لا تنظر. لكنها هي كانت مختلفة، شيء ما انكسر فيها دون صوت،عندما فعلتْ ما فعلته، لم يكن بدافع الشرّ بل بدافع الفراغ.ذلك الفراغ الذي لا يصرخ بل يُقنعك أنّ كلّ شيء مباح لأنّ لا شيء مُهمّ.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد تثق في يديها،كانت تخافُهما.
نعم، تخاف من هاتيْن اليديْن اللّتين تَلمُسانِ القمح الآن برفق كأنّهما لم تمسّا يومًا شيئًا يستحقّ النّدم.
مرّت أصابعها على سنبلة، فانحنت قليلًا وكأنها تسلّم عليها فارتجفت.
حتى القمح يغفر، هكذا همست لنفسها،لكن هل أغفر أنا؟.
في تلك اللحظة، شعرت أنّ الأرض تحت قدميها ليست صلبة كما كانت دائمًا، كأنها تقف فوق ذاكرة لا فوق تراب فكلّ خطوة كانت تُعيدها إلى ذلك الفعل، إلى تلك اللّحظة التي لم تجرؤ على تسميتها حتى الآن.
رفعت يدها أمام عينيها ونظرت إليها،كم تبدو بريئة!
ناعمة، هادئة! حتى جميلة بطريقة ما!وهذا ما أرعبها أكثر.
فكيف لشيءٍ بهذا الجمال أن يكون شاهدًا على ذلك؟
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة.
دوستويفسكي كان سيُحبّ هذه المفارقة العحيبة، هكذا فكّرت،فالإنسان لا يُدان بقبحه بل بجماله حين يخطئ.
أغلقت عينيها،فهي لم تطلب الغفران من الناس ولا حتّى من نفسها.
كل ما أرادته أن تشعر بشيء،أيّ شيء.،ألم،ندم أو حتى كراهية.لكن الفراغ كان ما يزال هناك، جالسًا في صدرها كضيفٍ لا يرحل.
مدّت يدها مرة أخرى، هذه المرة بقوة أكبر، وأمسكتْ بسنبلة قمح، ضغطتْ عليها حتّى انكسرتْ بين أصابعها.
فتوقفت ونظرتْ إلى ما فعلته وكأنّها ترى الجريمة لأوّل مرة.
ثم أخيرًا شعرت.
دمعةٌ واحدةٌ فقط سقطتْ، لا على الأرض بل على يدها تلك.
همستْ بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع: إذن ما زلت إنسانة!؟.
وفي تلك اللحظة وللمرة الأولى لم تهرب من نفسها.
(

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى