كتاب وشعراء

موت قادم…هيثم الأمين / تونس

قد أموتُ اليومْ.. أو غدا
وقد أعيش بما يكفي لأصير شاعرا
أو زنبقة تستريح بين نهدين
أو بما يكفي لأصير رجلا عاديّا
لكنْ
قد تحدُثُ المعجزةُ
وأعيش حتّى تُزهر جثثي المنسيّة في الحكايات المهجورةِ!
لكنّي، الآن، أعيشُ
بينما، في حلمي، أرى أمّي
وباقي الموتى الذين عرفتُهم
يكنّسون غرفتي،
يرتبّون الفوضى فيها
ويغسلون حيطانها والأرضيّةَ
بماء الزّهرِ
وأبي
– المسجّى في السّرير الطبيِّ –
– في حلمه –
يقرأ سورة يَسِٓ…
مازلت أعيشُ؛
قد أعيش ليوم آخر
وقد أعيش حتّى تصير سباخ صدري بحيرة
فينبت على ضفافي قصب السّكّر
وتعود إليّ أسراب النّحام الورديّ والبطْ
ويعود إليّ مرح ثعالب الماء.
قد أموت اليوم أو غدا
وفي اليوم التّالي لموتي،
سيضحك الجميع؛
سيضحكون لأنّهم لا يحملون شيئا من وجهي
ولأنّي كما الغرباء الرّائعين
لا أنتزع من أرواح الآخرين شيئا حين أرحلِ!
فقط، قدمي الوحيدة
ستخلع عنها الطّرقات
لتستريح…
وبعد سنة من موتي،
لأنّي من مدينة لا تملك ثمن الورد لتهديه لأحيائها
وحدها الأرضْ
ستُهديني عشبها الهزيل
وستعتذر لي
لأنّ المطر – كما الدّموع – يكره عبور المقابرْ…
لكنّي، الآن، أعيشُ؛
أصفّف جنائزي الصّغيرة
وأوزّع عليها السّكاكر حتّى لا يُبكيها الانتظار،
أصنع ابتسامات وأخبّئها في اللّون الأبيضِ
لأختار منها ما تليق بوجهي حين يأتيه الموتْ
ولا أفكّر في كتابة مذكّراتي
فقد أكون مشغولا جدّا،
زمن الموت،
فلا أجد وقتا لقراءتها
وقد لا أجد
بين الموتى
من يحبّ قراءة يوميّات رجل حيْ.
سأموتْ
اليوم أو غدا
أو حين يزورني، لأوّل مرّة، فرحٌ
لكنّي مازلت أعلّم شفتيّ كيف تبتسمان
وأضحك من خجل أصابعي وهي تمارس الشّعرْ

وأبكي كثيرا
لأنّي مازلت أعيش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى