رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الإرهاب الأوروبي

ــــ نحن خربنا حياتهم، وهم جاؤوا الينا ــــ جان بودريار، عن: 11 ايلول 2001.
عاشت أوروبا في القرن العشرين أعواماً من الارهاب المسلح، من القتل والسطو على المصارف الى الاختطاف وتفجيرات القنابل في الساحات العامة لكن الارهاب الاعلامي حول الغرب السياسي كملائكة ونحن شياطين.
للانصاف أوروبا ليست وجهاً واحداً:
أوروبا السياسية و Eurocentrism مركزيتها الاوروبية التي ترى الحياة من منظار غربي، وتصنف كنظرة طبقية عنصرية ، لم تتغير بل غيرت القفازات، والوجه الآخر المختلف هو أوروبا العلوم والفنون والآداب والفكر والفلسفة ولا يصح الخلط بين الاثنين.
بصرف النظر عن الشعارات والتوجهات، يبقى العنف المسلح و العنف الثقافي ضد الاخر المختلف ثقافة وديناً وأرضاً وعرقاً ولوناً وطبقةً وتاريخاً وحالة مالية او صحية أو اجتماعية إرهاباً وعنصريةً من أي جماعة أو دين أو قومية أو عرق.
لا يمكن تبريره لكن الخداع والنفاق الاعلامي الغربي الامريكي حاول تسويق
صورة نمطية واحدة عن الارهاب الاسلامي واخفاء التاريخ الاوروبي في صناعة صورة مقلوبة.
عندما تخرب حياة شعوب وتسرقها وتقتلها وتحولها الى قطعان فارة تبحث عن ملاذ، لا تتوقع أن يفكر هؤلاء بالعقل والحكمة والعدالة والقانون وهي الشعارات التي خربت حياتهم.
إن سياسة ” الحصار الاقتصادي” الخانق ضد شعب بذريعة نظم غير موالية، هو جريمة إبادة وتجويع غير مسموح به حتى للحيوانات.
يكفي وضع عبارة” الحروب الدينية في أوروبا” في جهاز البحث لكي
تظهر الصورة الحقيقية للتاريخ المخفي والمهمل والمنسي،
لأن الناس أعداء ما جهلوا والهدف في التركيز على العنف الاسلامي هو خلق عدم اليقين بالهوية والتاريخ والتراث وزعزعة كل الثوابت التي تربط الانسان بتاريخه ونفسه وواقعه ونجحوا في ذلك لكي تتم” صناعة” العربي والمسلم التائه والمعلّق في فراغ للسيطرة عليه وخلق ذاكرة مزيفة لكي ينسى من هو.
إن الغزو ونهب الشعوب وتخريب الدول هو إرهاب تحت أي ذريعة
ولا يتسع المجال للحديث عن الارهاب الاقتصادي والسلعي و التوحش الرأسمالي وعنف الخداع الاعلامي الذي يحدث تشويها عقليا وعنف التكنولوجيا وحسب جان بودريار أكبر فلاسفة فرنسا والعالم:
” من هنا يكون العنف نتيجة للعولمة التي خلقت عدوها، وبدأت بالصراع معه من أجل ردعه ومنعه عن مقاومتها، وتسببت بحروب أربكت علاقة الثقافات بقيمها، ودعتها إلى اللجوء إلى منطق الثأر والانتقام من ثقافة تدعي العالمية. إنَّ الإرهاب غير مرتبط بالأيديولوجيات والأديان على عكس ما تحاول أميركا تصويره، فهو يلقي على عاتق النظام الأحادي القطب المسؤولية في خلق الإرهاب وفي تفجير برجي التجارة العالميين”.
المنظمات المسلحة التي سنتحدث عنها يسارية وعلمانية وشيوعية مما يثبت ان العنف لا دين له وقد ينشأ في بيئة تشعر بانعدام العدالة والظلم.
يقول بودريار : “إلى حد ما هم الذين ارتكبوا الفعلة ــــــــ ضرب البرجين ــــــــــ لكنَّنا نحن الذين أردناها”.
قال قرصان للاسكندر الكبير عندما قبض عليه في البحر عندما سأله: لماذا تعكر البحر؟:
” أنا أسرق بسفينة صغيرة وأسمى باللص، وأنت تسرق بإسطول وتسمى الإمبراطور”.
في إيطاليا تأسست منظمة الالوية الحمراء المسلحة، يسارية النزعة وقامت بعمليات مسلحة واغتيالات وسرقات،
وأشهر عملية لها إختطاف رئيس الوزراء آلدومورو عام 1978 وقتله ورميه في محل للنفايات.
منظمة بادر ماينهوف الالمانية، تأسست في ألمانيا 1970 حتى عام 1993،
وأهدافها قتل الشرطة والقضاة ومهاجمة الثكنات العسكرية،
وحاولت حصر جرائمها من مصادر موثوقة، لكنها تحتاج الى بحث طويل ومفصل.
منظمة الباسك إيتا الاسبانية الانفصالية تأسست عام 1959،
مارست نشاطاً إرهابياً من نتيجته قتل المئات وجرح الالاف، وزرع القنابل في الساحات العامة والقطارات وتفجير محطة قطارات مدريد
في عام 2004 والنتيجة: مقتل 191 وجرح 1.755،
هدفها استقلال اقليم الباسك،
أوقفت نشاطها عام 2011 .
بالاضافة الى منظمات أخرى ذات طابع ديني كفرسان الهيكل،
ومنظمة جيش الرب وهدفها محاربة الاجهاض، وتولت قتل الاطباء بعمليات اغتيال واسعة،
وفي عام 1996 وضعت قنبلة أثناء دورة الالعاب الاولمبية في إطلانطا كرسالة إحتجاج ضد الحكومة.
الجيش الجمهوري الايرلندي السري صنف كمنظمة ارهابية خلال الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت أوقع خسائر فادحة في صفوف المدنيين، تأسس عام 1919 ـــ لغاية 1998،
في أطول حرب طائفية في القرن العشرين، وإنتهى باتفاق سلام.
منظمة الهوية اليمينية المتطرفة وهي من النازيين الجدد،
وقام أحد أفرادها قبل أعوام بمهاجمة كنيسة وقتل عدة أشخاص في باريس،
في البداية قالوا إنه صرخ الله وأكبر، لكن المدعي الفرنسي العام قال:
” إنه ألقى التحية النازية ومكتوب على قميصه: الدفاع عن أوربا”.
لم يصنف بالعمل الإرهابي لأن الشخص مريض نفسياً”.
نازي ومقتل أشخاص ولا يعد هجوما ارهابيا؟ لكي يبقى الارهاب وصفا اسلاميا.
حكاية مخرج المرض النفسي يتكرر كلما كان الفاعل غير اسلامي،
كما لو أن الارهابي المسلم وهو يفجر جسده فيلسوف بل هو أيضاً مختل عقلياً بسبب ظروف لا تحتمل واذلال طويل جرده من عقله ومن انسانيته وادخله في حالة توحش ضد الغرب وضد نفسه.
ماكرون وقبل التحقيق وصف الهجوم بالقول إنه هجوم ارهابي اسلاموي يحاول تهديد ثقافتنا كما يقول ونحن نعرف أن دمار حربين عالميتين لم تهدد” ثقافتهم” فكيف يتم ذلك بسكين؟
بعد وضوح الحقيقة لم يتحدث أحد عن وجود أزمة حضارية اوروبية ولا في شعب ولا دين ولا نظام وتم تحميل تلك المنظمات والافراد المسؤولية
الجنائية.
إن النازية حولت مدن أوربا الى خرائب وأنقاض لا تصلح للسكن ومقتل الملايين من المحاربين والمدنيين، ومع ذلك لم تتحطم قيم وثقافة الغرب،
فكيف يستطيع إرهابي هو في الاساس من صناعتهم أن يفعل ذلك؟
القضية في مكان آخر وحرب الرموز أعمق من الظاهر بل هي غطاء.
عشرات المنظمات المسلحة السرية في الغرب وأمريكا خاضعة للمراقبة بصورة مستمرة اليوم،
من غير الحروب الدينية الطائفية التي إستمرت لقرون في كل أنحاء أوروبا وتم صلب الاعداءعلى ابواب الكنائس وخاصة في فرنسا في 4 حروب طائفية.
قبل سنوات وقفت في جنييف في سويسرا أمام نصب تذكاري حجري في حديقة يجسد وجوه الاشخاص الذين أوقفوا الحرب الطائفية في سويسرا مع الكاتب علاء اللامي وإبنتي.
هم يعرفون جيداً أننا لا نقرأ التاريخ ونفقد حلقات التسلسل ويلعبون معنا لعبة النسيان والخداع ويخترعون كل مرة تاريخاً للارهاب كما لو أنه البداية.
في أغرب تفسير للارهاب كتبته روائية عراقية تقول: ” إن الارهاب الاسلامي سببه شعر المفاخرة العربي”.
هكذا تتبنى الضحية سردية جلادها بثقة مطلقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى