
قالوا لنا… “فلسطينُ قضيتُنا الأولى”
وابتسمنا…
كأننا لا نعرف أن “الأولى” هنا
لا تعني شيئًا
إلا ترتيب الكذب في نشرات الأخبار.
قالوا: “لن تمرّ المأساة دون حساب”
ومرّت…
خفيفةً كأنها لم تقتل أحدًا
هادئةً كأنها اعتذرت للقاتل
ومضت.
والحساب؟
جلس في درجٍ رسميّ
ينتظر توقيعًا لا يأتي.
يا سادتي…
كيف تتحوّل المجازر إلى خبرٍ عاجل
يُقرأ بصوتٍ متوازن
ثم يُقفل الملف
ويُفتح بعده الطقس؟
وكأن دماء الأبرياء
وكأن ركام البيوت
مجردُ تفاصيلَ في هامشِ تقرير
يُكتب بسرعة
ويُنسى بسرعةٍ أكبر
وكأن المدن
تُهدم لتُعاد صياغتها في خبر
لا في ذاكرة.
وكأن الموت
هناك
لا يستحق حتى دهشةً كاملة
بل نصفَ دهشة
ثم إغلاق الملف.
قالوا: “نحن نتابع عن كثب”
لكن “الكثب” عندهم
عينٌ تعرف كيف لا ترى
وقلبٌ محترف في عدم الارتجاف.
يرون الدخان…
ويصفّقون للصورة.
ويرون الركام…
ويعدّونه زاوية تصوير.
ولا يرون ما يجب أن يُرى.
ورأيتُ فلسطين…
ليست في الخطابات
ولا في المؤتمرات
ولا في تلك اللغة اللامعة التي تُلمّع القتلة.
رأيتها…
في أمٍّ تنحني على اسم ابنها
كأن الاسم آخر ما تبقّى من الجسد.
وفي طفلٍ
يتعلّم أن الحجارة
أفصح من كل الأمم المتحدة.
وفي مدينةٍ
تنام كل ليلة
ولا تدري إن كانت ستستيقظ.
قالوا: “نحن ضد العنف
ثم وقفوا في المنتصف
بين الضحية والجلاد
كأنهم موظفون في شركة حياد
تبيع الصمت بالجملة.
قالوا: “نحن مع السلام”
والسلام عندهم…
كلمة أنيقة
تُقال في القاعات المكيّفة
وتُنسى عند أول حاجز.
وقالوا: “نحن قلقون”
قلقٌ بارد…
لا يكسر زجاجًا
ولا يفتح معبرًا
ولا يمنع جنازةً من المرور.
ثم قالوا: “فلسطين في القلب”
والقلب عندهم…
متحفٌ مغلق
لا يدخله دم
ولا يزعجه بكاء.
لكن فلسطين…
ليست فكرة
ولا ملفًا
ولا جملةً في افتتاح نشرة.
فلسطينُ امرأةٌ لا تبكي أمام الكاميرا
لأن البكاء صار ترفًا.
ورجلٌ
يكتب اسمه على الرماد
ثم يصرّ أن الرماد أرض.
وشعبٌ
يعلّم العالم درسًا واحدًا فقط:
أن الموت حين يُكرَّر
يفقد حتى قدرته على الصدمة.
يا سادتي…
ما بين “قالوا” و”فعلوا”
لا توجد مسافة سياسية
بل جريمة كاملة
يسقط فيها ما تبقى من الإنسانية.
وفي النهاية…
كل ما تبقّى من هذا العالم
هو كلمة واحدة تنقسم اثنتين:
قالوا…
ولم يفعلوا.