كتاب وشعراء

ماذا لو عاد الشاعرُ الذي مات …زكريا شيخ أحمد / سوريا

ماذا لو عاد الشاعرُ الذي مات
في مساءٍ لا ينتظره فيه أحد؟

سيمشي كما اعتاد…
بخطوةٍ خفيفة كأنّه يعتذر من الأرض
و يضع يديه في جيبيه
كمن أضاع شيئاً صغيراً
و لم يخبر أحداً

سيرى اسمَهُ و اضحاً على غير عادته
كأنّ الغيابَ هو الذي أصلح نطقه

يتوقّف قليلاً … يتأمّل هذا الوضوح
الذي جاء متأخراً
كأنّه لم يكن ينقص الاسم سوى غيابه.

سيقترب من قصيدته ببطءٍ يشبه الحذر
كأنّه يخشى أن تخطئه هذه المرة أيضاً
يلمسها فتتذكّر يداً قديمة،
لكنها لا تميل نحوه

هذه الكلماتُ كانت تجلس معه
حين كان اليوم أضيق من صوته،
تقاسمه الصمت و تتدرّب على الخفوت
كي تمرّ دون أن تُلاحظ

كان يحملها كما تُحمل جمرة يؤجّل قولها
و يخاف إن قالها أن لا تعود إليه

لم يكن يريد أكثر من إصغاءٍ قليلٍ
وجهٍ لا يمرّ عليه
كما يمرّ الهواء على الأشياء المهملة

لكن العالم
كان واسعاً بما يكفي ليضيّعه
و ضيقاً بما لا يكفي ليسعه

الآن… تخرج الكلماتُ بسهولة،
تنتقل بين الأفواه، تستقرّ لحظة
ثم تمضي خفيفةً
كأنها لم تعرف ثقل من حملها

ينظر إليها… كما ينظر أحدٌ إلى حياته
بعد أن تخرج من يده
يحاول أن يناديها، لكن صوته
يأتي منخفضاً أكثر مما ينبغي
كأنّه تعلّم متأخراً
أن لا يزعج أحداً بوجوده

يتذكّر كيف كان يختصر نفسه،
كيف كان يترك نصف الجملة مفتوحاً
و يكملها في داخله كي لا يحرجَ الصمتَ

حين يموت الشاعر…
لا يحدث شيءٌ للنص..
الذي يحدث…
أن المسافة بينه و بين الناس
تصير كافيةً أخيراً ليُرى

و لو عاد الآن
بنفس الارتجاف في حروفه
لعاد كما كان:
يمشي بمحاذاة نفسه كأنّه زائدٌ عنها
و يخبّئ لغته كما يُخبّأ شيءٌ هشّ
لا يحتمل الضوء

سيتوقّف مرة أخيرة،
ينظر إلى اسمه و هو يُقال بسهولة
ثم لا يمدّ يده
لأنّه فهم أنّ بعض الأصوات
تحتاج أن تفقد أصحابها كي تجد مكاناً لها
و أنّ ما كان يؤلمه حقاً
لم يكن الصمت و لكن لأنه كان يضطر
أن يصغّر صوته ليعبر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى