
قصة:
_الفصل الثالث_
مع أول كلمةٍ خطّتها سارة، اهتزّ الهواءُ داخل الغرفة كأنها تتنفّس لأول مرة منذ عشرين عامًا.
لم تأتِ الريح من الخارج؛ فالنوافذ كلها كانت مُسمَّرةً بالخشب منذ أيام الجدّة. كانت تلك الريح تنبعث من بين سطور الدفتر نفسه، باردةً كأنها نفسٌ مكتوم. همست ليلى دون أن تتحرّك شفتاها، وكأن الصوت ينبع من صدر سارة ذاتها:
“أكملي. هذه هي اللحظة التي هربتُ منها عشرين عامًا. الليلة التي خسرتُ فيها صوتي.”
ارتجفت يدُ سارة، وكاد الحبر يسيل من الريشة.
كتبت حرفًا حرفًا، كأن كل حرفٍ يخرج من صدرها مع الدم: “أنا أخاف.
“ثم حلّ صمتٌ أثقل من الكلمة ذاتها. ومن بين الرفوف، ومن بين الكتب القديمة التي غطّاها الغبار، بدأت همسات. لم تكن صوتًا واحدًا… بل أصواتٌ كثيرة، رجالٌ ونساء، كبارٌ وصغار، يتحدثون في آنٍ واحد لكن بكلامٍ مفهوم:
“نحن أيضًا كنا خائفين… ولهذا صمتنا.”
“أنا سكتُّ على ضربة أبي.”
.”أنا سكتُّ على خيانة صديقي.”
. “أنا سكتُّ على حبٍّ مات في قلبي.”
امتلأت الجدران فجأة بكتاباتٍ باهتة، كأن الحبر يخرج من الجير ذاته. أسماء، تواريخ، جُمَلٌ مبتورة
“فاطمة – 1987 – لم أقل لا”
“يوسف – 1995 – سامحتُ وأنا أكره”
“مجهول – 2001 – ماتت الكلمة في حلقي”
تراجعت سارة إلى الوراء، لكن ليلى وقفت أمامها، ووجهها لا يحمل حزنًا ولا فرحًا… بل فهمًا قديمًا.
“انظري جيدًا” قالت. “هذا البيت لا يقتل أحدًا. هو صندوقٌ كبير يحتفظ بصمتِ الذين لم يجدوا أين يضعونه. كل من جاء إلى هنا كتب كلمته ومضى، وترك صمته معلّقًا على الجدار.”تقدّمت ليلى ووضعت يدها على الجدار. فخفتَت الأسماء قليلًا تحت لمستها، كأنها ارتاحت. “أنا كتبتُ كلمتي وماتت معي” همست. “لكن كلمتكِ أنتِ ما زالت حيّة. قصتي انتهت لحظة صمتي. وقصتكِ أنتِ… هي التي بدأت الآن.”سكتت الغرفة كلها. حتى الهمسات خفتت. صار ضوء الشمعة طويلًا نحيلًا، يتراقص بلا ريح. وحين رفعت سارة رأسها، تحرّك الباب الخشبي القديم وحده… وأصدر صريرًا خفيفًا، ثم انفتح على ضوء الفجر. دخل الضوء الرمادي البارد من الممر الطويل، فمحا ظلال الأسماء عن الجدار. وقفت ليلى في الباب، ظلّها صافيًا بلا ملامح.
“هيا” قالت. “إن بقيتِ هنا، صرتِ واحدةً منّا. وإن خرجتِ… صرتِ صوتنا جميعًا.” لم تُجب سارة.
لكن الدفتر انغلق وحده و بقيت كلمة “أنا أخاف” منقوشةً في الصفحة، رطبةً تلمع كالدمع.خرجت. وانغلق الباب وراءها ببطء، وعاد البيت إلى سكوته… سكوتٍ منتظر.
“ماذا تفعل إذا وجدت أن الجدران نفسها تهمس لك بأسرار لم تُقل منذ سنين؟”
تابع …