
في سنة 1261م ، وصل إلى جنوب إيطاليا رجلٌ مسلم من مدينة (حماة) ، اسمه “جمال الدين بن واصل”.
كان يحمل رسالةً من السلطان المملوكي “الظاهر بيبرس” إلى ملك (صقلية) “مانفريد” ابن الإمبراطور الشهير “فريدريك الثاني”.
دخل “ابن واصل” إلى البلاط الأوروبي وهو يتوقع ما يتوقعه أي سفير مسلم في القرن الثالث عشر .. لغة غريبة ، ووجوهاً معادية ، وحواجز بين عالمين أنهكتهما الحروب الصليبية ، لكن ما حدث هناك كان شيئاً آخر تماماً.
فجأة .. بدأ الإمبراطور الأوروبي يتحدث معه بالعربية ، ليس هذا فقط ، بل كان “مانفريد” يحفظ أجزاءً من كتاب (إقليدس) في الهندسة ، ويهوى الفلسفة والعلوم العقلية ، ويتناقش مع ضيفه المسلم في المعرفة كما لو أنهما طالبان في مدرسة واحدة ، لا رجلان يفصل بين دولتيهما بحرٌ من الدم والحروب.
هنا أدرك “ابن واصل” أنه لا يرى بلاطاً أوروبياً عادياً ، بل يرى بقايا عالمٍ مختلف صنعه والد “مانفريد” الإمبراطور “فريدريك الثاني” .. ذلك الرجل الذي عُدَّ من أغرب ملوك أوروبا في العصور الوسطى.
ملكٌ أحب الثقافة العربية ، وقرّب العلماء المسلمين ، وشجع الترجمة من العربية ، حتى اتُّهم بين رجال الكنيسة بأنه متساهل مع المسلمين أكثر مما ينبغي.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في القصر ، بل في (صقلية) نفسها .. خلال رحلته ، زار “ابن واصل” مدينة (لوجارة) – وهي المدينة المعروفة تاريخياً بـ (لوتشيرا) في جنوب إيطاليا – وهناك صُدم بما رآه ..!!
مدينة كاملة يسكنها المسلمون ، تُقام فيها صلاة الجمعة ، وتُرفع فيها شعائر الإسلام علناً .. كل ذلك في قلب أوروبا المسيحية ، وبعد أكثر من قرنين على سقوط الحكم الإسلامي في (صقلية).
كان المشهد أشبه ببقايا أندلس صغيرة نجت وحدها من العاصفة ، ويبدو أن “فريدريك الثاني” هو من حافظ على هذا الوجود ؛ إذ نقل جماعات من مسلمي (صقلية) إلى (لوتشيرا) ، ومنحهم قدراً من الحماية والاستقلال ، واستفاد من خبراتهم العسكرية والإدارية ، فبقيت المدينة لسنوات مركزاً إسلامياً واضحاً داخل مملكته.
أما “ابن واصل” ، فلم يكن مجرد رحالة مبهور ، بل كان واحداً من أهم مؤرخي عصره:
هو “جمال الدين محمد بن واصل الحموي الشافعي” ، المولود سنة (604هـ / 1208م) ، و الذي عاش قرابة تسعين عاماً ، شهد خلالها سقوط (بغداد) على يد المغول ، وصعود دولة المماليك ، وتحولات العالم الإسلامي الكبرى.
ومن أشهر كتبه: (مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب) ، وهو من أهم المصادر التاريخية عن الدولة الأيوبية.
لكن أكثر مشاهده إدهاشاً بقي تلك الرحلة إلى (صقلية) .. حتى إنه يروي أن “مانفريد” أحضر في أحد المجالس آلة موسيقية (الأرغُل) ، وأخذ يعزف أمامه ، وكأنه يختبر رد فعل هذا العالم المسلم القادم من الشرق.
ولم يكن “ابن واصل” رجلاً منغلقاً ؛ فقد كان مطلعاً على علوم الموسيقى النظرية ، فتقبّل المجلس بهدوء العالم الواثق، لا بذعر الغريب.
ثم جاءت النهاية ..
دخلت البابوية في صراع مرير مع “فريدريك الثاني” وأبنائه ، حتى قُتل “مانفريد” سنة 1266م في معركة (بينيفينتو) على يد “شارل الأول الأنجوي” ، شقيق “لويس التاسع” الفرنسي.
وبعد مقتله بدأ الوجود الإسلامي في جنوب إيطاليا يتلاشى شيئاً فشيئاً ، حتى اختفت تلك الصفحة الفريدة من التاريخ.
أما “ابن واصل” ، فعاد إلى (حماة) ، وتولى مناصب كبيرة ، ثم توفي سنة 1298م ، لكن ما بقي خالداً ليس مناصبه .. بل تلك الشهادة النادرة التي كتبها بيده:
شهادة مؤرخٍ مسلم رأى بعينيه إمبراطوراً أوروبياً يتحدث العربية ، و يحفظ (إقليدس) ، و يحمي مدينةً يُرفع فيها الأذان داخل أوروبا.
وفي زمنٍ كانت الحروب الصليبية تشتعل فيه بين الشرق والغرب .. كانت هناك أيضاً لحظات هادئة جلس فيها رجلان – مسلم ومسيحي – يتحدثان عن الفلسفة والهندسة والموسيقى بالعربية ، و أحياناً ، تكون هذه اللحظات أعمق أثراً من ضجيج الحروب.
المصادر:
– جمال الدين ابن واصل – “مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب”.
– المقريزي – “السلوك لمعرفة دول الملوك”.
– د. حسين مؤنس – “تاريخ المسلمين في البحر المتوسط”.