
في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، كانت (البصرة) واحدةً من أغنى مدن العالم الإسلامي.
ميناؤها يعجّ بالسفن القادمة من الهند والصين وشرق أفريقيا ، و أسواقها تمتلئ بالحرير والتوابل والعطور ، وقصور تجارها تلمع على ضفاف الأنهار كأنها قطعةٌ من الجنة.
لكن خلف هذا الثراء الهائل ، كان هناك عالمٌ آخر لا يراه أحد ..!!
في المستنقعات المالحة جنوب العراق ، وسط السباخ والرائحة الثقيلة والطين الأبيض الحارق ، عاش عشرات الآلاف من عبيد الزنج الذين جُلبوا من سواحل شرق أفريقيا.
كانوا يعملون في استخراج طبقات الملح وتجفيف الأراضي الزراعية ، في واحدةٍ من أقسى الأعمال في ذلك العصر.
شمس (البصرة) كانت تحرق جلودهم:، والوحل المالح يأكل أقدامهم ، والسياط تنهال على ظهورهم إن تباطأ أحدهم لحظةً واحدة.
طعامهم حفنة سويقٍ رديء وتمرات يابسة بالكاد تُبقيهم أحياء .. فقط ليعودوا إلى العمل في اليوم التالي.
لم يكونوا يُعاملون كبشر ، بل كأدواتٍ ناطقة .. وهنا تحديدًا ، بدأت بذور واحدةٍ من أعنف الثورات في التاريخ الإسلامي.
في سنة (255هـ) ، ظهر رجلٌ غامض اسمه “علي بن محمد” .. رجلٌ ذكي ، خطيب مفوّه ، عرف كيف يدخل إلى النفوس المحطّمة ، زعم أنه من نسل “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه ، لكن معظم المؤرخين شككوا في نسبه.
لم يذهب إلى قصور الخلفاء ، ولا إلى حلقات العلماء .. بل ذهب مباشرةً إلى العبيد المنسيين في المستنقعات.
نظر في وجوههم المرهقة ، وقال لهم الكلمات التي انتظروا سماعها طويلًا: «إن الله قد استنقذكم بي ، وسأُملككم أموال سادتكم ، وأجعلكم ورثتهم ، وأجعلهم عبيدًا لكم» .. كانت تلك الكلمات كافية لإشعال الجنوب كله.
فجأة .. تحوّل العبيد الجائعون إلى جيشٍ عقائدي مرعب ، يقاتل بلا خوف ، وكأن سنوات القهر الطويلة انفجرت دفعةً واحدة.
بنى الزنج مدينةً حصينة وسط المستنقعات سموها (المختارة) ، ومنها بدأوا يشنون هجماتهم على القرى والمدن.
ثم جاءت الكارثة الكبرى .. في شوال سنة (257هـ) ، سقطت (البصرة) ، المدينة التي كانت درة العراق تحولت إلى جحيم.
تصف المصادر القديمة مشاهد مروعة: مذابح واسعة .. حرائق هائلة .. نهب شامل للأسواق والقصور .. مساجد امتلأت بالقتلى.
لكن أكثر المشاهد قسوةً وسخرية ، أن العبيد الذين كانوا يُباعون بالأمس في الأسواق ، صاروا هم من يبيعون أبناء سادتهم .. نساء كبار التجار والأعيان سُبين ، وبيع بعضهن بأثمان زهيدة ، وتحولت موازين المجتمع رأسًا على عقب خلال أيام قليلة.
وهنا يظهر الوجه النفسي المرعب للثورة .. ثورة الزنج لم تكن حركةً لإلغاء العبودية أو تأسيس مجتمعٍ عادل ، بل تحولت سريعًا إلى دوامة انتقام هائلة.
فالإنسان حين يُسحق طويلًا ، ويُعامل كشيءٍ بلا كرامة ، قد لا يخرج مطالبًا بالعدالة .. بل طالبًا بالثأر.
ولهذا لم يكسر الزنج نظام الإستعباد عندما انتصروا ، بل أعادوا إنتاجه بصورةٍ معكوسة.
و “علي بن محمد” فهم هذه النفسية جيدًا .. لم يحاول تهذيب غضب أتباعه ، بل غذّاه ، واستثمر في الحقد والرغبة بالانتقام ، حتى تحولت الثورة إلى آلة رعب استمرت قرابة خمسة عشر عامًا ، وكادت تُسقط الخلافة العباسية نفسها.
ولم تنتهِ إلا بعد حملاتٍ عسكرية ضخمة قادها “الموفق” العباسي ، وبعد حربٍ طويلة استنزفت العراق وأحرقت مدنه وقراه.
ويبقى الدرس الأعمق في قصة الزنج مخيفًا حتى اليوم:
المجتمعات التي تُبنى على القهر والاستغلال ، تزرع تحت أقدامها نارًا مؤجلة ، فالمقهور الذي لم يعرف الرحمة .. قد لا يعرف كيف يمنحها حين يمتلك القوة.
المصادر:
– الطبري: تاريخ الرسل والملوك
– ابن الأثير: الكامل في التاريخ
– المسعودي: مروج الذهب