كتاب وشعراء

حكايات من الصمت…بقلم الحسن أهل مبارك

قصة:
__الفصل الرابع:__

_ همسات الجدران _
غادرت سارة البيت تلك الليلة، لكن البيت لم يغادرها.
كل ليلة، حين يخفت ضجيج المدينة، يزورها الدفتر الجلدي في منامها. لم يكن حلمًا بالمعنى المألوف، بل كان استدعاءً لا يُردّ. رائحة الورق العتيق والحبر الجاف والغبار المُخزّن لثلاثين عامًا من الصمت تملأ رئتيها قبل أن تفتح عينيها.

عادت بعد ثلاثة أيام.
المفتاح النحاسي دافئ في راحتها، والخوف في صدرها أبرد من ليل العاصفة.

دخلت.
انغلق الباب خلفها دون يد.
لم يكن في الممر سوى خيط شمعة يرتجف كقلبٍ خائف.

هذه المرة، لم تبقَ الجدران صامتة.

الخربشات التي كانت حروفًا مبعثرة بدأت تتجسّد.
وجهٌ هنا، عينٌ هناك، فمٌ مفتوح بلا صوت.
لكل وجهٍ قصة، ولكل قصةٍ ثقلٌ كاد يقتل صاحبها.

همسَ صوت رجلٍ مسنّ في عقلها:
“أنا سكتُّ عن حقي… وتركتُ أبنائي يكبرون وهم يظنونني ضعيفًا.”

تلاه صوت فتاةٍ صغيرة:
“وأنا سكتُّ عن حبي… حتى مات دون أن يعلم.”

ثم صوتٌ مبحوح، كمن لم ينطق منذ عقود:
“وأنا سكتُّ لأنني خفتُ… فأكلني الخوف من الداخل.”

وضعت سارة كفّها على الجدار. كان باردًا، لكنها شعرت بنبضٍ خافت تحته. نبض أناسٍ ماتوا واقفين من الداخل.

لم تمسح دمعتها. اقتربت وكتبت بالفحم، بخطٍّ مرتجفٍ لكنه واضح:

“أنا هنا لأستمع إليكم.”

حلّ صمتٌ أثقل من الذي قبله.
ثم انطلقت تنهيدة.

الوجوه التي كانت متجهّمة وغاضبة استرخت ملامحها لأول مرة. ابتسم أحدها ابتسامةً صغيرةً مكسورة، لكنها حقيقية. ومدّ آخر يده من الجدار ليضعها فوق يدها، كأنه يقول: شكرًا… أخيرًا من يسمعنا.

مرّت ريحٌ خفيفة في الغرفة، كزفرة راحةٍ طال انتظارها.
والصور التي سقطت في الليلة الأولى عادت إلى أماكنها وحدها.

همست ليلى من الظلام:
“هذه هي قوة الصوت يا سارة. ليس أن تصرخي في وجه الناس، بل أن تمنحي من سكتوا فرصةً ليشعروا أنهم لم يعودوا وحدهم.”

انطفأت الشمعة.
لكن سارة لم تخف هذه المرة.
لأنها أدركت أن صمت هذا البيت لم يعد فراغًا.
لقد امتلأ بأصوات.

خرجت وتركت الباب مواربًا قليلًا.
لمن أراد أن يدخل… ليجد من يُصغي إليه.

–ما الكلمة التي لم تستطع قولها يومًا؟
تابع …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى