رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:المجال العام المصري: جمهورية الانتباه المهدور

#بحكم تخصصي ف الشأن الدولي ، نادرًا ما أتوقف أمام تفاصيل الشأن الداخلي المصري. لكن ما يفرض نفسه أحيانًا ليس الحدث ذاته، بل طبيعة التفاعل معه. فالمشكلة في مصر لم تعد في الخبر، بل في بنية المجال العام التي تحدد أي الأخبار تستحق أن تتحول إلى قضية وطنية، وأي القضايا المصيرية تُدفع إلى الهامش.
في عالم يتغير على نحو غير مسبوق، حيث تتنافس الدول على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة ورأس المال البشري وسلاسل الإمداد والمعرفة، يبدو المجال العام المصري وكأنه يعيش في زمن آخر. ليس لأنه يفتقر إلى الأحداث، بل لأنه يستهلك قدرًا هائلًا من طاقته في متابعة الأشخاص أكثر من متابعة التحولات.
الأكثر غرابة أن الموالين والمعارضين، رغم خصومتهم الظاهرة، ينتهون غالبًا إلى المشاركة في اللعبة نفسها. يختلفون على تفسير الحدث لكنهم يتفقون على مركزيته. يتصارعون حول الأشخاص أنفسهم، ويتابعون القضايا ذاتها، ويمنحونها القيمة نفسها. أحدهم يراها دليلًا على قوة الدولة، والآخر يراها دليلًا على أزمتها، لكن النتيجة واحدة: احتكار الانتباه الجماعي بواسطة أحداث عابرة وأسماء متغيرة.
هنا تكمن المفارقة.
فالمجال العام لا يوحد المصريين حول مشروع وطني أو رؤية مستقبلية أو نقاش استراتيجي، بل يوحدهم حول الاستهلاك الجماعي للحدث اليومي. المعارضة والموالاة لا تخوضان معركة على الأولويات، بل على تفسير الأولويات التي فُرضت عليهما أصلًا.
وهكذا تتحول السياسة إلى متابعة مستمرة للحركة داخل النخبة، لا إلى نقاش حول مستقبل الدولة. يصبح السؤال: من صعد؟ ومن سقط؟ ومن غضب؟ ومن عاد؟ بينما تتراجع أسئلة أكثر أهمية: ماذا ننتج؟ كيف ننافس؟ أين موقعنا في الاقتصاد العالمي الجديد؟ وكيف نستعد لعصر تتغير فيه قيمة الدول بقدر ما تمتلكه من معرفة لا بقدر ما تمتلكه من ضجيج؟
في الدول الحديثة، لا تُقاس قوة المجال العام بحجم الكلام المتداول، بل بنوعية الانتباه الذي ينتجه. فهناك فرق بين مجتمع يناقش مصيره، ومجتمع يراقب يوميًا صراعات الأشخاص باعتبارها بديلًا عن فهم المصير.
والأخطر أن غياب المعلومات الكافية حول الملفات الكبرى يخلق بيئة مثالية لازدهار التأويلات. ومع الوقت يصبح الحدث أقل أهمية من الروايات المحيطة به. لا يعود الناس يناقشون الوقائع، بل ما يعتقدون أنه يحدث خلف الوقائع. وهنا يتحول المجال العام من ساحة معرفة إلى ساحة تخمين جماعي.
إن الأزمة الحقيقية ليست في اهتمام المصريين بقضية معينة، بل في عجز المجال العام عن إنتاج أجندة موازية بحجم التحديات التي تواجه البلاد. فالأمم لا تتراجع فقط بسبب نقص الموارد أو سوء الإدارة، بل قد تتراجع أيضًا عندما تفقد قدرتها على توجيه انتباهها نحو ما يصنع المستقبل.
لقد أصبحت إدارة الانتباه موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن إدارة الاقتصاد أو الأمن القومي. والدولة التي يهدر مجالها العام معظم طاقته في مطاردة الأحداث العابرة، قد تجد نفسها متأخرة في سباق التاريخ حتى لو امتلكت كل المقومات الأخرى.
السؤال إذن ليس لماذا يتصدر هذا الحدث أو ذاك واجهة النقاش، بل لماذا أصبح مجتمع كامل، بموالاة ومعارضة ونخب وجمهور، عاجزًا عن الإفلات من جاذبية الهامش والعودة إلى مركز الأسئلة الكبرى.
فالعالم اليوم لا يعيد توزيع الثروة فقط، بل يعيد توزيع المكانة والقوة والمعرفة. وبينما تنشغل أمم بصناعة المستقبل، ما زالت أمم أخرى تستهلك حاضرها في متابعة الضجيج.
وهذه، في تقديري، ليست أزمة سياسة فحسب، بل أزمة وعي استراتيجي ومجال عام معًا. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى