رؤي ومقالات

د.عاطف معتمد يكتب “هدية بني سويف إلى العالم !

ارتحلت الأسبوع الماضي بين بلدات وقرى بني سويف، في غرب نهر النيل انطلقت من “الهرم” و”ميدوم” و “كوم أبو راضي” قاصدا “الواسطى” و”قمن العروس” وتجاوزت “الميمون”.
عبرت نهر النيل من عند الواسطى بهدف زيارة “دير الميمون” أحد أشهر الأديرة المسيحية في مصر.
بني سويف تذكرنا بسيرة راهب مصري سيصبح أحد أشهر رموز المسيحية في العالم.
تبدأ القصة قبل 300 سنة من ظهور الإسلام، حين كانت مصر تعيش تحت سيطرة حاكم رومانى يكره المسيحية اسمه يوليانوس (355- 363 م.)، عُرف لشهرته فى اضطهاد المسيحيين باسم «يوليان الجاحد”.
فى هذه الأجواء سيظهر اسم أحد الآباء الذي سيصبح علامة فى تاريخ المسيحية الشرقية ويؤسس لنظام جديد فى التنسك.
يقول بعض المؤرخين إن مصر هى التى اخترعت الرهبنة، وصدّرتها للعالم، أي أن الرهبنة هي هدية مصر للعالم.
الرهبنة التى أسسها القديس أنطونيوس تسمى رهبنة «التوحد»، وفيها يقرر ناسك أن يعيش بمفرده فى عزلة تامة متوحدًا مع الرب. وهو نظام سيثبت قسوته وصعوبته، وسيحل محله لاحقًا نظام جماعى تعيش فيه مجموعة من النساك سويًّا فى حياة مشتركة، ومن هنا سيسمى «رهبنة الشركة».
عند فريق من الباحثين فى التاريخ المسيحى يُعتبر دير القديس أنطونيوس فى صحراء مصر الشرقية هو أقدم بناء للرهبنة فى العالم. ظهرت أولى لبناته فيما بين عامى 361 و363 م.
الطريف أننا نقول هذه المعلومات رغم أنها لم تكن معروفة فى زمنها، فقد احتاج الناس ثلاثة قرون أخرى ليعرفوا ذلك، إذ بقيت قصة الدير وسيرة القديس أنطونيو غير معروفة إلى أن ظهرت أول إشارة تأريخية لها فى بداية القرن السابع الميلادى.
لا تُذكر قصة القديس أنطونيو دون اقترانه برفيق معاصر له هو القديس بولا، ويُعرف كلاهما باسم «آباء الصحراء»، ولا يزال دير كل منهما يمثل مكانًا للحج وملاذًا روحيًّا للمسيحيين المصريين، الذين يرغبون فى استلهام الحياة الروحية للتنسك والزهد والصفاء الروحى.
بقيت قصة «آباء الصحراء الشرقية» أقل شهرة من قصة دير سانت كاترين، فالدير الأخير كان محظوظًا بموقعه الجغرافى على طريق فلسطين وبيت المقدس، فكان الحجاج المسيحيون فى طريق حجهم إلى فلسطين لابد لهم من المرور بدير سانت كاترين فى جنوب سيناء.
لكن هنا فى الصحراء الشرقية ليس ثمة أى مصادر إغراء للحجاج المسيحيين للوصول إلى هذه الصحراء غير المتصلة بأى مراكز مسيحية كبرى فى فلسطين.
وقد أخّر ذلك من معارفنا عن الديرين، ومعظم هذه المعارف جاءت من كتابات رحالة أوروبيين؛ غامر القليل منهم بزيارة الديرين المنعزلين، وجاءت فى التراث المعرفى شذرات متناثرات عن الديرين خلال رحلات أوروبية متباعدة فيما بين القرنين 14 و19.
على بُعد حوالى 230 كم جنوب شرق القاهرة وحوالى 150 كم شرق بنى سويف، وجنوب ميناء الزعفرانة على البحر الأحمر بنحو 35 كم، يقع دير القديس أنطونيو عند سفح هضبة فسيحة من الحجر الجيرى الإيوسينى، تسمى جبل الجلالة القبلية (900- 1300 م. فوق مستوى البحر).
يقع الدير عند الحافة الجنوبية لوادى عربة، وهو وادٍ عظيم تكوّن فى الحجر الرملى للعصر الكريتاسى الأدنى، ويبلغ اتساعه نحو 30 كم من الشمال للجنوب، ويصرف المنطقة من الغرب إلى الشرق نحو البحر الأحمر.
ويسمى القديس أنطونيوس، مؤسس رهبانية التوحد، بأسماء عدة، مثل:
– القديس أنطونيوس المصرى
– أنطونيوس رئيس الدير
-أنطونيوس الصحراء
– أنطونيوس المتوحد
– الأب أنطونيوس
، أنبو أندونا
– أبو كل الرهبان
– نجم البرية.
يتم الاحتفال بمولد القديس أنطونيوس فى 22 طوبة (30 يناير) من كل عام.
وُلد القديس أنطونيوس فى قمن العروس، الواقعة إلى الجنوب مباشرة من مدينة «الواسطى» وشمال بلدة «الميمون» فى بنى سويف، وكانت أسرته ثرية إقطاعية من كبار ملاك الأراضى. أى أن صاحبنا هنا ترهبن من ثراء ووفرة ولم يترهبن من فقر وعوز!.
تذهب بنا بعض السرديات، غير الموثقة بأى أدلة، إلى أن القديس أنطونيوس الكبير عاش 105 سنوات (251- 356 م.)، حيث بدأ مسار النسك فى قريته عندما كان عمره 20 سنة حين اختار صومعته فى جبال شرق أطفيح.
تمضى السردية المتواترة إلى أنه فى أطفيح انهالت عليه الزيارات طلبًا لكرامته وشفاعته وعلمه، فأفسد المريدون عليه خلوته، فارتحل وهو فى سن 35 سنة إلى مكان لا يصله أحد من المريدين، واختار الصحراء البعيدة على بحر القلزم (خليج السويس حاليًا).
اعتمد القديس أنطونيوس فى بقائه على قيد الحياة على العطايا من الخبز التى كان يهبها له البدو والمسافرون فى الصحراء بين وادى النيل والبحر الأحمر.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن أنطونيوس هو أول مَن ارتدى الصوف فى الرهبنة، وكان هذا الرداء الصوفى قد أهداه إليه عرب الصحراء ليتقى شر البرد.
بعد عدة عقود من وفاته فى الصحراء، تمكن مريدوه وتلامذته من تأسيس الدير الذى يحمل اسمه عند نهاية القرن الثالث أو بداية القرن الرابع الميلادى.
بعد وفاته واصل الرهبان حياة التوحد فى ديره، ولكن فى صوامع داخل مجتمع مُسوَّر. وهو على ما يبدو حل وسط بين قسوة التوحد وأنس الشركة.
لم يعثر العلماء على أى شىء يشبه رفات جسد القديس أنطونيوس، الذى يجب أن يكون قد دُفن بجوار كهف من كهوف الحجر الجيرى فى هذه الهضبة.
نُسجت بعض الروايات الأسطورية، التى جعلت من رفات القديس أنطونيوس ظاهرة عالمية، فقد ذهب البعض إلى أن جثمانه نُقل من كهفه فى الصحراء الشرقية إلى الإسكندرية، ثم إلى القسطنطينية. ومن هناك انتقلت رفاته لاحقًا إلى عدة كنائس أوروبية فى فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا.
شهد دير القديس أنطونيوس عصره الذهبى فى زمن البطريرك يوحنا السادس (1189- 1216 م.)، فازدهر مجتمع الرهبنة فى الدير فيما بين القرنين 12 و15.
ومنذ ذلك التاريخ القديم وإلى اليوم يضم دير الأنبا أنطونيوس علاقات إيكولوجية جمعت الرهبنة والصحراء معًا، وربطت بين ما هو دينى وطبوغرافى وبيئى مع ما هو إثنوجرافى لسكان الصحراء من القبائل العربية.
في ختام رحلتي في بني سويف فهمت مجددا أنه لا يمكن فهم البحر الأحمر والصحراء الشرقية من دون فهم بني سويف: دير الميمون، قمن العروس، الواسطى ..وغيرها كثير.
فمن هنا انطلق “نجم البرية”..ليهدى نظام الرهبنة إلى العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى