ثقافه وفنون

علي سعيد ​عَوْدٌ علىٰ بَدْء.. رحلة بصرية للأساطير والصراع الإنساني

​كتب:يونس ناصف
​شهدت قاعة “آرت توكس” (Art Talks) بالقاهرة افتتاح معرض الفنان علي سعيد،وتحول هذا الافتتاح إلى تظاهرة ثقافية جمعت عدداً من النقاد، الفنانين، ومحبي الفن، ليكشف الستار عن تجربة بصرية تبلورت عبر سنوات من البحث والتجريب في التراث الإنساني ومكوناته الأسطورية والحضارية .
​يضم المعرض 140 عملاً فنياً تتنوع أحجامها بين اللوحات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة الحجم ، بالإضافة إلى اسكتشات تمثل مراحل زمنية مختلفة تلخص مسيرة فنية ممتدة لربع قرن. وتصف إدارة القاعة هذا المعرض بأنه جسر يربط بين الماضي وعوالم الأساطير وبين الحاضر المعاصر، فاتحاً آفاقاً واسعة لاستكشاف أعماق الذات الإنسانية وصراعاتها.
​ينطوي مفهوم “عَوْدٌ علىٰ بَدْء” عند علي سعيد على معنيين؛ الأول يمثل حنيناً محبباً لإرهاصات بداياته الخاصة، وعودة إلى العناصر الفنية الأولى التي شكلت بداية تجربته الفنية . أما المعنى الثاني ، فيتضح في بدايات التاريخ والحضارات والفنون، واستلهام أساطير الأولين وحكاياتهم القديمة لإعادة صياغتها برؤية معاصرة حديثة.
​هذه الرؤية في التعامل مع اللوحة كبناء فني و فكري متكامل، نبعت من خلفية الفنان الأكاديمية والثقافية ؛ فقد ارتبطت حياته بالفن ، وتعمقت خبرته الإدارية والنقدية من خلال عمله وإدارته لمواقع وأحداث ثقافية هامة ، فضلاً عن كونه باحثاً أكاديمياً ومؤرخاً فنياً يمتلك العديد من الدراسات النقدية.
​تُظهر الأعمال المعروضة أن الرحلة الفنية لم تكن خطاً مستقيماً، بل كانت مساراً حيوياً ينتقل بين أساليب متعددة، فمن الأسلوب الأكاديمي إلى التجريد، ومن التشخيص انطلق نحو مساحات تعبيرية أكثر رحابة. ومع هذا التحول في اللغة البصرية، ظل هناك خيط يربط بين جميع هذه المراحل؛ خيط يكمن في وحدة الرؤية والسعي المستمر لفهم الإنسان والواقع والتاريخ، حيث ظلت الأفكار تتطور وتنضج داخل الإطار الإنساني ذاته.
​تتنوع محطات المعرض لتكشف عن نقاط تحول في مسيرته الفنية ؛ ففي عام 2013 وضحت بداياته الفعلية مع التأثر بـ “وجوه الفيوم” القديمة. وبدلاً من إبقائها مجرد بورتريهات جنائزية، أعاد الفنان إعادة صياغتها برسمها شخص كامل لا وجه فقط ، مع إضفاء ملامح وروح عصرية على الخلفيات، الملابس، الإكسسوارات، والموتيفات المستخدمة.
​أما أحدث إنتاجه الفني (لعامي 2025 و2026)، فتركز على جماليات المنمنمة الإسلامية وبنائها الهندسي، مع الإهتمام بفكرة “الإطار” كبنية أساسية للعمل الفني . وتعتمد هذه الرؤية على إطار يحتوي عناصر متداخلة ومتتالية، مع إعطاء الحرية لبعض العناصر سواء كانت أشجاراً، خيولاً، أو بشراً لاقتحام هذا الإطار والخروج عنه تماماً في حرية.
​يعود الشغف برسم العنصر البشري إلى سنوات الدراسة الأكاديمية ، حيث كان يميل لرسم “الموديل البشري”، وحصد بعمله التشخيصي الجائزة الثانية في صالون الشباب عام 2003. وبناءً على نصيحة أكاديمية للتوجه نحو تيار الحداثة، خاض الفنان تجربة التجريد في الفترة من 2004 حتى 2009.
​قاده هذا الاختبار الفني إلى مرحلة مراجعة ذاتية، فضّل بعدها العودة إلى الهوية التشخيصية، مستلهماً موضوعاته عام 2010 من واقع “المشردين” في الشوارع، لتشكل هذه الخطوة الجسر الطبيعي الذي عبر منه نحو وجوه الفيوم، والوصول إلى هذه المحطة الهامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى