رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:بين الدوران في الفراغ والسير إلى الخلف تأملات في الفرق بين عهدين

سألني أحد الأصدقاء ذات يوم: ما الفرق الحقيقي بين نظام مبارك والنظام الحالي؟
فكرت قليلًا، ثم وجدت أن الإجابة لا تحتاج إلى أرقام أو إحصاءات بقدر ما تحتاج إلى توصيف للحالة العامة التي عاشتها الدولة وتعيشها اليوم.
في تقديري، كانت الدولة في عهد مبارك تدور داخل دائرة مفرغة. لم تكن تتقدم بالمعنى الحقيقي للتقدم، لكنها كانت تعرف حدود حركتها جيدًا. كانت تدور وتدور وتدور، دون أن تغادر مكانها تقريبًا، لكنها في الوقت نفسه كانت تحافظ على قدر من التوازن يسمح لها بالبقاء.
كان هناك شعور دائم بأن البلاد تتحرك إلى الأمام، أو على الأقل توحي بذلك. في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي المجتمع، وفي الثقافة، وحتى في المجال الأخلاقي، كانت الحركة موجودة لكنها حركة أشبه بجهاز رياضي ثابت؛ جهد مستمر دون انتقال حقيقي.
أما ما نعيشه اليوم، فأراه حالة مختلفة تمامًا، وربما فريدة في التاريخ المصري المعاصر.
لم نعد ندور في المكان ذاته، بل أصبحنا نسير بالفعل. المشكلة أن الاتجاه ليس إلى الأمام.
نسير بخطى ثابتة ومنظمة ومنضبطة، لكن إلى الخلف.
نسير ونحن مغمضو الأعين، غير قادرين على رؤية الحائط الذي نقترب منه. نسير وأيدينا مقيدة عن الفعل، وأرجلنا مكبلة عن تغيير المسار، بينما يستمر الخطاب الرسمي في إقناعنا بأن كل شيء تحت السيطرة وأن الطريق صحيح.
المفارقة أن الحركة أصبحت أكثر كثافة، لكن اليقين أصبح أقل.
أحيانًا أنظر إلى المشهد المصري فأراه أشبه بسائل رجراج داخل زجاجة موضوعة على حافة مسرح ضخم. السائل لا يستقر، والزجاجة لا تسقط، والجمهور لا يعرف إن كان ما يراه حقيقة أم عرضًا مسرحيًا متقن الإخراج.
كل شيء يتحرك، لكن الوجهة غامضة.
كل شيء يبدو موجودًا، لكن الإحساس بالوجود نفسه أصبح محل سؤال.
الأخطر من الأزمات الاقتصادية أو السياسية هو هذا التآكل البطيء في يقين المجتمع بذاته. حين تبدأ أمة كاملة في التساؤل عن موقعها من العالم، وعن قدرتها على التأثير في مصيرها، وعن حقيقة ما تراه بعينيها، فإن الأزمة تتجاوز حدود الإدارة والحكم لتصبح أزمة وجود.
لهذا لا أرى الفرق بين المرحلتين في الأشخاص أو السياسات فقط، بل في طبيعة الحركة نفسها.
في الماضي كنا ندور داخل دائرة مغلقة، نستهلك الوقت دون أن نربح المستقبل.
أما اليوم فنحن نتحرك باستمرار، لكن الحركة نفسها أصبحت مصدر القلق، لأن السؤال لم يعد: لماذا لا نتقدم؟
بل أصبح: إلى أين نمضي أصلًا؟
وهل ما زال الاتجاه قابلًا للتصحيح قبل أن نكتشف أننا قطعنا مسافة طويلة في الطريق الخطأ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى