رؤي ومقالات

د.عاطف معتمد يكتب :من عرب الصف إلى ركن فاروق !

أمضيت نهار أمس في البر الشرقي للنيل، بدأت من الصف جنوبا، وانتهت رحلتي عند ركن فاروق في حلوان.
هذه أيام متتابعات لتحديث معلوماتي الجغرافية عن الشطر الشرقي من وادي النيل.
يجمع نطاق أطفيح والصف / حلوان بعض صفات الصحراء الشرقية من ناحية مع بعض صفات السهل الطيني الخصب من ناحية ثانية.
البلاد القديمة هنا بالطبع بلاد الطين والزرع، عمرها المصريون القدماء عبر العصور، ثم تدفق عليهم الوافدون من اليونان والرومان من البحر المتوسط ثم العرب من شبه الجزيرة العربية مرورا بشبه جزيرة سيناء ومنها “نزلوا” في المنطقة.
حين تتفقد هذه البلدات والقرى اليوم سيكون من الصعب فصل النسيج السكاني القديم من آلاف سنين عن العرب الذين انضموا قبل 1400 سنة عن العرب الذين انضموا في آخر موجة للهجرة قبل 250-300 سنة.
من الجنوب للشمال تقابلنا بلدات ارتبطت بحياة الزرع والنيل والطين مثل: أسكر، الجزيرة الشقرا، غمازة ، الإخصاص، الحي، المنيا، التبين، وحلوان.
أما أشهر البلدات التي ارتكزت على حافة الصحراء فهي من الجنوب للشمال:
مسجد موسى في أطفيح، وعرب الصف، عرب العيايدة – عرب الحصار، عرب غمازة – عرب الترابين – عرب المعازى – وعرب أبو ساعد، وعرب حلوان.
قبل 5 قرون، وفي مقالة صغيرة الحجم كبيرة القيمة عنوانها “البيان والإعراب بما نزل أرض مصر من الأعراب” نعرف من العلامة المقريزي أن هذه المنطقة كانت محطا لنزول قبائل عربية منذ وصول العرب مصر.
يؤكد المقريزي في مستفتح حديثه بالقول: ” اعلم أن العرب الذين شهدوا فتح مصر قد أبادهم الدهر، وجُهلت أحوال أكثر أعقابهم، وقد بقيت من العرب بقايا بأرض مصر، وفيما يلي خبر من بقي منهم”
في المنطقة التي ندرسها اليوم – بين الصف وحلوان – نعرف من المقريزي أن القبيلة التي سكنت هنا كانت قبيلة “لخم”.
تتبع المقريزي ديار لخم فيما بين أطفيح وحلوان فوجدهم يسكنون بلدة “مسجد موسى” و”أسكر” ونصف بلاد أطفيح، وجزء من بلدة “الحي”، وقد تشعبت من لخم بطون كثيرة أهمها:
بنو معمر وبنو واصل وبنو رمزا وبنو حيان وبنو معاذ وبنو النيص وبنو حجرة وبنو أشتوة، وبنو جعد، وبنو مسعود وبنو جرير، وبنو زبير ، وبنو سباع وغيرهم.
ومن أشهر هذه البطون اليوم “بنو واصل”.
ولكن عربا آخرين سيفدون إلى مصر بعد زمن المقريزي بأكثر من قرنين.
إذ تشير المراجع الحديثة إلى نشوب غارات وغزوات داخلية في شبه جزيرة العرب خرجت بسببها قبيلة المعازى (المعازة) فقصدت سيناء واستقر بعضهم فيها ولكن بعضهم عبر منطقة برزخ السويس وجاءوا إلى الصحراء الشرقية ومنها إلى منطقة أطفيح –حلوان.
المعازة إذًا هم أحدث موجة في الهجرات العربية إلى هذه المنطقة، وينتشرون حتى حدود شمال القصير وبشكل خاص في منطقة الغردقة وجبل الشايب.
الوضع البيئي في أطفيح- حلوان يتغير ما بين مظاهر حداثية من سيارات وهواتف محمولة وبعض أبنية حديثة من ناحية وتدهور إيكولوجي محزن ولا سيما في تلوث ترع الري وانكماش مساحة الأرض الزراعية، واستصلاح زراعي على مياه الصرف من ناحية أخرى!
في السنوات العشر الأخيرة موجات أخرى من التغير نشأت بسبب الربط الإقليمي للمنطقة مع مد طرق حديثة عصرية مثل مشروع القطار الكهربائي الإقليمي ومحاور عرضية بين شرق الوادي وغربه.
بعدما تفقدت بلدات الصف وفي طريق العودة بدلت وسائل الانتقال في التبين وفتحت خريطة من زمن الاحتلال الإنجليزي فوجدت مدقا قديما يخترق الصحراء من حلوان ليصل إلى ضريح لشيخ يسمى “سيدي سالم أبو سريع” على مسافة عدة عشرات الكيلومترات من وادي النيل.
كنت قد عرفت من بعض طلابي في الليسانس قبل 10 سنوات من سكان هذه المنطقة أن آلافا من البشر كانوا يزورون هذا الضريح في مولده السنوي لكن ذلك توقف مؤخرا لأسباب أمنية.
أخذت استراحة في حلوان وراجعت الخريطة القديمة لحلوان الأصلية في مقابل حلوان الحمامات التي أسسها الخديوي إسماعيل وأضاف إليها الخديوي عباس حلمي الثاني إسهانات عمرانية جديدة.
وقبل أن أعبر النيل متجها إلى صحراء مصر الغربية – حيث أسكن في غرب القاهرة – توقفت أمام “ركن فاروق” وتذكرت زيارتي له العام الماضي.
لابد أن أبدي اعجابي بالمهندس العبقري صاحب الحس الجغرافي الذي اختار هذا المكان للملك فاروق، لابد أن فاروقا الملك كان يقف هنا في الصباح الباكر فيشاهد أهرامات سقارة في الأفق …الواقعة على خط مستقيم مع استراحته هنا في الركن على النيل.
تحت الإنشاء يمتد طريق القطار الكهربائي الذي يجب أن ينقل المسافرين بين العلمين والعين السخنة وسيمر غير بعيد عن ركن فاروق، وبموازاة هذا الطريق يمتد الطريق الدائري الأوسطي.
عبر الطريق الدائري الأوسطي تطلعت من نافذة سيارة التاكسي إلى أهرامات سقارة عن يميني وأهرامات دهشور عن يساري، وتفكرت في تلك الجغرافيا المتكاملة في وادي النيل من بني سويف إلى أطفيح، والصف وعرب الصحراء، وركن فاروق والطريق الأوسطي ومشروع القطار السريع.
من أجل ذلك يعرفنا فلاسفة العلم أنه ليست لدينا “جغرافية” واحدة بل “جغرافيات” متراكبة عبر الزمن.
رحلتنا مستمرة بإذن الله…عسى أن نلتقي قريبا! عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى