
صدمتني حينما سمعتها من أهل بلدي، من الشيوخ ومن في منتصف العمر، وزاد الطين بلة حينما أطلقها شباب صغير يدور عمرهم حول الثامنة عشرة، تزامن ترشحي لانتخابات الشيوخ مع نتائج الثانوية العامة، طبعا كان الفشل حليف كثير من هؤلاء الشباب، هذا رغم أنني أنفقت جل عمري في تأسيسهم علميا على أفضل وجه، حينما تسلمتهم في سن السادسة كانوا صفحات بيضاء، كتبت فيها وعليها أفضل ما يمكن أن نربي أبناءنا عليه، وعلى ذكر أبناءنا هذه فقد فضلت عدم الزواج حتى لا أضيف للمجتمع نسل لا أستطيع الانفاق عليه كما ينبغي، فراتبي من التدريس بالكاد يكفيني وأنا فرد واحد، لكن ما العمل حينما يكون لدي أسرة من زوجة وأبناء لا يقولون طوال عمرهم إلا جملة واحدة، محتاج نقود لكذا وكذا وكذا .
وقد سألني أحد زملائي الذين تركوا تدريس المرحلة الأولى للمراحل التالية، وزاد رزقهم بدرجة مخيفة، لماذا لا تبحث عن وسيلة لزيادة دخلك بديلاً عن التحجج بضيق ذات اليد لا حجامك عن الزواج ؟
سؤال مهم وقد أفضت في الإجابة عليه، لكن لم يسمعني أحد، لذا سأفند إجابتي بيني وبين نفسي لعلي أفهم لماذا بهتفون، يسقط كمال عبد الجواد …
أوجست في نفسي خيفة حينما قابلني، وهذا يحدث لأول مرة فأنا لا أخشى أحد كائن من كان، لكن كلماته كانت دالة على ما ينتوي، أول يوم في الإمتحانات، سأل عني بعض الواقفين حول المدرسة، طلب مقابلتي في اليوم التالي، من حسن الحظ أن الثلاثة أيام الأولى كانت للمواد التي لا تؤثر في المجموع العام، لكنه حينما رٱني ذكرني بما حدث مني قبل عشر سنوات، ولست أدري لماذا اختار المراقبة في مدرسة قريتنا، كانت هذه أول مرة تعقد فيها امتحانات الثانوية العامة بها، راودت أحلام الغش أهل البلد، على أساس أن القرية بعيدة عن المدينة والعاصمة، لكني بالأخير تمنيت أن تمر الامتحانات في هدوء، ودونما غش جماعي كالمستشري في مصر منذ سنوات طويلة.
ارتفعت وتيرة غضب الأهالي من التضييق على أبناءهم في الغش، أو حتى تسهيل تعاون الطلبة مع بعضهم البعض، أشارت أصابع الاتهام إلى هذا الرجل، مما دعاهم لعقد النية على أذيته، حاولت منعهم من تنفيذ مخططهم وإنقاذه كما حدث وأنقذني شخص محترم من قريته، عشر سنوات مرت لم أنس المعروف وأحاول رده، والغريب أنه إعتبر التزامي بعدم السماح بالغش هو عمل سيء أستحق عليه عقاباً رهيبا.
باليوم الأخير أهبت نفسي الحضور لحمايته، فيما سرب هو للجميع أن ما فعله هو رد لما فعلته مع أبناء قريته منذ عشر سنوات.
انقلبت الآية ووجدت نفسي أحتاج لمن ينقذني من غضب الأهالي، تسللت بسرعة متخفيا بين الجموع، غادرت المكان لبيتي غالقا الأبواب والنوافذ دون عيون من يتابعوني .
فيما هم يحيطونه بالمودة والترحيب وأوصولوه لسيارته سالما من مجرد ملامة منهم .