
حين يدلهمّ الليل والديجور وينام القطيع، تستيقظ في الحنايا القديمة إرهاصات من الشوق حرّى وحروف لظى، فتورق على الشفاه المنهكة بقايا فجر قديم..
تتحرك العتمة في زوايا الغرفة، لتبدأ هجرتي العكسية نحو أقصى الذاكرة، هناك حيث ما زلتُ قابعاً خلف الباب، طفلاً يرتجفُ براءةً ولم ينضج بعد ليذوق مرار الوجود. ينفتح جدار الوقت، فيأتيني أولاً صوت الرحى.. ذاك الجريش الرتيب الذي كان يطحن السنين قبل القمح، بحجرين ثقيلين كقدرٍ محتوم. كان صوتها يدور في عتمة الفجر النحاسي، إيقاعاً بدائياً يضبط نبض البيت الصغير، يسحق الحبات بقسوة تماثل قسوة الأيام، لكنه كان يمنحنا طمأنينة الخبز القادم.
وعلى وقع ذاك الدوران، يتبدّى لي وجه أمي. لم يكن وجهاً عادياً، بل كان جدارية محفورة من صبرٍ وطين. أذكر عينيها المجهدتين اللتين تحرسان انطفاء النهار، ويديها الخشنتين بفعل حطب الموقد، لكنهما كانتا أرقّ من نسمة غسق حين تمسحان على جبيني المحموم بالأسئلة. كان وجهها هو المرفأ الوحيد قبل أن أقذف بنفسي في بحار الاغتراب، وجهٌ يلخص معنى الأرض، والبدايات، والملجأ الذي لا يملكه المرء إلا مرة واحدة في العمر.. ثم يفقده للأبد.
ومع هبوط الديجور تماماً، يرتفع في المدى صوتٌ آخر، نحيل وشفاف كخيط دخان؛ تراتيل جدتي. كانت تجلس عند عتبة المساء، مغمضة العينين كأنها ترى ما لا نرى، تهمس بأورادها العتيقة، وتمزج الأسماء المقدسة بتعاويذ تحمي البيت من غوائل الليل وجلجلة الريح. كانت كلماتها المتهدجة تسقط على روحي القلقة مثل قطرات الندى على عشب جاف، تهدهد الخوف الكوني الكامن في صدري الصغير، وتصنع حزاماً من نور يطوق اغترابي المبكر.
أنا الآن، في هذا الليل السحيق، لست سوى صدى لتلك التفاصيل. أقف في منتصف العمر، معلقاً بين رحىً طحنت طفولتي، ووجه أمٍّ بات بعيداً كالنجم، وتراتيل جدةٍ رحلت وأخذت معها سكينة المساء. غريبٌ أنا في هذا الفراغ، أقتات على بقايا ذاك الفجر القديم، وأتساءل: كيف لروحٍ شربت كل ذلك الدفء أن تصبح بهذا الصقيع؟