رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :العاصفة في الداخل

تقول فيرا بيفر اخصائية علم النفس في كتابها ” التفكير الايجابي: ” ليس مهما كيف تهب الريح، الأهم كيف نرفع الأشرعة”.
عندما تهب الريح، التحديات، العواصف الاجتماعية، الصدمات غير المتوقعة، يجب الاعتراف بها كأمر واقع لأن الإنكار يهدر طاقة المواجهة ومن تجربة حربين لاحظت ان الجنود في لحظات المداهمة يصرفون وقتا طويلاً في الارتباك والفوضى وفي الشتائم بل الهذيان وهو وقت ضائع لمواجهة الموقف في حين كان آخرون يواجهون الموقف فوراً لأنهم انتقلوا من موقع الضحية الى موقع المستعد للمواجهة بصرف النظر عن طبيعة الحرب لأن القصة قصة حياة أو موت.
الأمر نفسه يحدث في حالات توقف مصعد أو غرق باخرة أو حريق في عمارة حيث تختلف ردود الأفعال لأن كل شخص يحمل معه عند الحادث” حقيبته الخلفية” أي ماضيه وتجاربه وهو لا يواجه الموقف بلا تلك الخلفية التي تحضر بلا وعي كقوة طوارئ.
الرياح والتحديات والصدمات لن تغير طريقها في الارتباك والمراثي بل تتضاعف لأن العقل البشري في المواجهة يبحث في أرشيفه عن تجارب مماثلة سابقة واذا لم يكن عاش التجارب القاسية من قبل فسيكون عليه خوض معركتين: عاصفة وتحديات الحاضر وخواء الماضي لأنه كحال جندي لم يجد في جعبته رصاصاً في معركة بل جعبة فارغة.
في لحظات الغرق او العواصف يحاول البعض البحث عن شيء للامساك به من الخارج للتوازن ولو لحظة، ومع كثافة الاشياء المحيطة به، لكنه لا يعثر على شيء، ويسبح في فراغ، حتى الحائط أمامه يحس به يبتعد،
لان الطريق الخطأ لا يؤدي الى الوجهة الصحيحة:
في اللحظات الصعبة الشيء الوحيد الذي يمكن التمسك به هو الطاقة الداخلية والضمير الحي المنقذ من الهاوية والفراغ والسقوط،
لان البحث في الخارج كبحث جنود مداهمين يبحثون عن الاسلحة المعلقة على أكتافهم من الارتباك.
الضمير أقدم من الحضارة ومن العلم ومن الثقافة، وارتبط الضمير بالجمال،
فانوس حكاية علاء الدين المتخيل يضيء اليوم في حين انطفأت فوانيس قصور ملكية،
وحذاء حكاية ساندريلا أكثر حياةً وجمالاً من كل محلات الأحذية في العالم،
وقصائد أمرؤ القيس في الصحراء على ايقاع خبب الجواد،
أجمل وأبهى وأخلد من قصائد ونثر الصفحات الالكترونية الانشائية الباهتة،
وعبارات فوق لوحات ورقائن طينية أو شواهد قبور من عصور غابرة أكثر حكمة ورصانة من الانشاء المدرسي اليوم وضجيج مراثي الذات كما لو أن الحياة خيمة عزاء.
معيار الحداثة: الجمال والضمير وليس الزمن،
وكهرمانة المتخيلة لا تزال تصب الماء المغلي فوق الاربعين حرامي منذ عصور في حين ذهب قضاة الى المشانق ومزابل التاريخ وسيذهبون.
الأمم التي أسست حضاراتها على الضمير لا تزال حية كالفرعونية والبابلية والسومرية والأغريقية والخ في حين زالت الامبراطوريات الرومانية والنازية والفاشية والقومية والشمولية التي قامت على القوة والغطرسة.
اللحظة الذهبية المضيئة التي ولد فيها الضمير تلك اللحظة التي ركض فيها انسان عاري لتضميد جروح انسان آخر،
تلك لحظة الفجر والإشراق الأولى في تاريخ البشرية وستظل هذه اللحظة حية ومشتعلة ومليئة بالجمال البري في بعض البشر الى الأبد.
المثير ما اكتشفه علماء تشريح الدماغ من خلال صور الأشعة المقطعية للرأس أن بعض الناس يولدون بلا مراكز للضمير ، أي ان مركز الضمير والعواطف والمشاعر والشعور بالندم والتعاطف والتضامن غير موجود أو أصغر من حجم الدماغ السوي في الجانب الايسر من الدماغ ــ Amygdala القشرة اللوزية،
وهؤلاء يعوضون عن ذلك بالاقنعة والتلاعب والكذب، ويفعلون ما يتوقعه منهم الناس في الظاهر، ويعيشون على حافة الهاوية وتبني انبل الافكار وتقمص أجمل الأدوار من خلال مبادئ وقيم وعقائد كأقنعة،
أطلق رينيه ديكارت على مركز الضمير :”مقعد الروح” وهؤلاء حولنا لكن بأقنعة وهم وحوش خفية لكنهم يتصرفون حسب توقعات الناس منهم كممثلين وهم أخطر مخلوقات التاريخ كالنرجسي الخفي والسيكوباتي وعادة ما يؤثث هؤلاء لهم صورة وردية كقناع للتخفي.
هؤلاء لا علاج لهم أبداً لانه اختلال بنيوي في الذات الاصلية كشجرة معوجة، بل بعض العلماء قال ان السبب غياب” المادة الرمادية Substantia grisea ” في المخ مركز الضمير والمشاعر والاحاسيس كما يحدث في ولادة ناقصة لعضو جسدي خارجي ظاهر لكنه هنا بسبب غياب الضمير انحطاط في الشخصية وأي اعادة بناء يهدمها لأنها كعمارة ترتكز على عمود أعوج.
عالم النفس الكندي روبرت هير وبعد ربع قرن ابحاث توصل الى ان بعض الناس يولدون ” بلا ضمير ” وهو عنوان كتابه المرجعي Robert D. Hare’s with out Conscience ” من خلال تجارب حياة مهنية مختبرية وكشوفات بالاشعة الضوئية للمخ وتشريح الدماغ عن مخلوقات تعيش على حافة الهاوية لكن بأقنعة وخطورة هؤلاء الاقنعة والتمويه وتقمص شخصيات.
تقول عالمة أعصاب وتشريح الدماغ باربرا أوكلي في كتابها” جينات الشرEvil Genes . Barbara Oakley “،
تقول: إن هؤلاء الأشرار حولنا وخلف الباب ويحتاجون الى قطع مرحلة تطورية طويلة للوصول الى مستوى الحيوانات وليس البشر” لان الحيوان يمتلك مشاعر تضامن ونجدة وحساً حقوقياً ولا يعرف التلذذ في التعذيب والاستغلال والكذب والتلاعب وهي صفات تتوفر بإفراط في عديمي الضمائر” ومن الخطأ مناقشة هؤلاء كأصحاب وجهات نظر سياسية أو عقائدية من أي نوع لأنهم ببساطة مرضى بأقنعة متينة.
الذين يكتبون من اعماق ضمائرهم من أي مكان كان إنما يكتبون الينا لأن الفطرة الانسانية متقاربة. بتعبير البير كامو: ” انسان بلا ضمير وحش أُطلق في الشوارع”.
الكتابة تعطي المشاعر الهلامية شكلاً واضحاً وتظهر الصور الغامضة واضحة وبكلمة أدق نحن لا نكتب لكي نكتشف جديداً بل نكتب لنكتشف ما كان موجودا ومختفياً فينا ونصبح مرئيين أمام ذواتنا. الكتابة فعل تطهير.
الوحش البشري بلا ضمير في الغرق والعواصف والأزمات لن تنقذه كل الأشياء من الفراغ والهاوية والسقوط والتمزق، ولو تمسك بكل فولاذ الكون لأن الهاوية في الداخل بلا قاع وعجلة ضخمة مسننة تسحقه كل لحظة باسنان حادة من مشاعر الدونية ونقص الاحترام الذاتي وكراهية كل شيء حتى الهواء لكنه استعراضي نفاخ وشرس في الظاهر يعكس خواء الداخل،
ويعيش في دوامة وصراع مهلك كل لحظة بين أناه المزيفة وأناه المدفونة الطبيعية التي تخبره في كل لحظة إن حقيقته ليست كما يحاول الظهور بالمظهر المنتفخ الاستعراضي لان الثقة بالنفس عفوية ناعمة هادئة مهذبة جميلة كوجه طفل يحلم وكل غطرسة وشراسة هي استغاثة انهيار وطلب نجدة من مخلوق بذات مزيفة يحاصر نفسه كعقرب في النار،
لكنه يهرب منها بحثاً عن إطراء أو شاحن أو تموين من الخارج للتعبئة لأن الداخل فراغ وهاوية ملتهمة ويعيش يومه في جحيم ثنائية التخفي والخوف من الانكشاف ولا شيء غيرها.
بدل لعن العاصفة لنفتح الاشرعة من الداخل وكل الاخطاء الانسانية الناتجة عن السهو ومناخ الخطأ والبراءة وسوء التقدير يمكن تجاوزها وتعلم الدرس،
لكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعلمه ولا تعويضه هو الضمير لان فقدانه هو فقدان للجزء الجوهري البنيوي في الانسان.
أخطر العواصف تلك التي تهب في الداخل، في الأرواح الميتة كريح تعصف في حقل يابس أو في ثياب بالية على حبل غسيل:
في معارك الحياة المصيرية لا خيار للانسان إلا الثبات والأمل ولن يحدث هذا الثبات بلا اهداف عميقة ونبيلة وصافية. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى