د. عبد الرحيم جاموس يكتب:اهتزاز الهيمنة وتبدل الموازين … هل يواجه المشروع الصهيوني أزمة سياسات أم أزمة وجود؟

في خضم التصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن الفشل والخيبة وتراجع المكانة الإقليمية، انشغل كثيرون بتقييم نتائج المواجهات الأخيرة وآثارها العسكرية المباشرة. غير أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في توصيفها لحدث عسكري بعينه، وإنما في كونها تعكس قلقاً متزايداً داخل إسرائيل من تحولات أعمق قد تكون بصدد إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي نشأت وتطورت في ظلها الدولة العبرية طوال العقود الماضية.
فالحديث هنا لا يتعلق بخسارة معركة أو نجاح عملية عسكرية، بل باهتزاز مجموعة من المسلمات التي حكمت التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي منذ عقود طويلة، وببداية مرحلة جديدة تتعرض فيها منظومة الهيمنة الإقليمية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة لاختبارات غير مسبوقة.
نهاية اليقين الاستراتيجي
منذ حرب عام 1967 ترسخ في العقل الإسرائيلي شعور بأن إسرائيل هي القوة المهيمنة بلا منازع في الشرق الأوسط، وأن تفوقها العسكري والتكنولوجي، إلى جانب الدعم الأمريكي والغربي، كفيل بضمان أمنها وتفوقها لعقود طويلة.
وقد تعزز هذا الشعور بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية والغزو الأمريكي للعراق، حيث بدا أن المنطقة دخلت مرحلة اختلال استراتيجي عميق لصالح إسرائيل.
لكن السنوات الأخيرة كشفت حدود هذه الفرضية.
فالقوة العسكرية التي أثبتت قدرتها على التدمير الهائل أثبتت في الوقت نفسه محدوديتها في تحقيق الأهداف السياسية النهائية. والحرب التي كان يفترض أن تعيد ترميم الردع الإسرائيلي تحولت إلى استنزاف طويل ومكلف، بينما بقيت الأهداف السياسية الكبرى بعيدة المنال.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
إنها ليست أزمة نقص في القوة، بل أزمة الإفراط في الاعتماد عليها.
هل نشهد نهاية عصر التفوق الإسرائيلي المطلق؟
قد يكون من المبالغة الحديث عن أفول إسرائيل أو انهيارها، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كانت المنطقة تشهد نهاية مرحلة التفوق الإسرائيلي المطلق الذي استمر لعقود.
فالمشهد الإقليمي لم يعد كما كان. هناك قوى إقليمية أكثر تأثيراً، وتحولات دولية متسارعة، وشعوب وقضايا لم تنجح الحروب في إلغائها أو تجاوزها.
ولعل أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم هو تآكل قدرتها على فرض إرادتها السياسية بالسهولة التي تمتعت بها في مراحل سابقة.
فحتى عندما تحقق تفوقاً عسكرياً، فإن النتائج السياسية لم تعد مضمونة.
وهذا التحول يمثل في حد ذاته تطوراً استراتيجياً بالغ الأهمية.
التحول الدولي وأفول الأحادية القطبية
يصعب فهم ما يجري في الشرق الأوسط بعيداً عن التحولات العالمية الجارية.
فالعالم الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد قائماً بالشكل ذاته. لقد برزت قوى دولية جديدة، وتصاعد التنافس بين الأقطاب الكبرى، وأصبحت الولايات المتحدة نفسها تواجه تحديات استراتيجية واقتصادية وسياسية متزايدة.
وفي مثل هذه البيئات الانتقالية تتراجع قدرة القوى الكبرى على إدارة الأقاليم المختلفة بصورة منفردة، كما تتراجع قدرة حلفائها على الاستفادة من مظلة الهيمنة الدولية كما كان الحال سابقاً.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من القلق الإسرائيلي؛ فالمسألة لا تتعلق بإيران أو غزة أو لبنان وحدها، بل بتغير البيئة الدولية التي شكلت الإطار الاستراتيجي الذي تحركت فيه إسرائيل لعقود طويلة.
القضية الفلسطينية: الغائب الحاضر
ورغم كثرة الحديث عن التحالفات الإقليمية والتوازنات العسكرية والصراع مع إيران، تبقى القضية الفلسطينية العامل الأكثر حضوراً وتأثيراً في مستقبل المنطقة.
لقد جرت محاولات عديدة لتجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً يمكن الالتفاف عليه بالمشاريع الاقتصادية أو الترتيبات الأمنية.
لكن الأحداث أثبتت مجدداً أن فلسطين ليست تفصيلاً في المشهد الشرق أوسطي، بل هي جوهر الأزمة التاريخية في المنطقة.
فكلما جرى تجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني عادت القضية لتفرض نفسها بصورة أكثر قوة وتأثيراً.
وقد أثبتت التجربة أن إدارة الصراع ليست بديلاً عن حله، وأن تجاهل جذور المشكلة لا يؤدي إلى الاستقرار بل إلى تأجيل الانفجار القادم.
المعضلة الديمغرافية: الانتصار الفلسطيني الصامت
إذا كان كثير من النقاش يتركز على موازين القوى العسكرية والسياسية، فإن هناك بعداً آخر أكثر عمقاً وأبعد أثراً في مستقبل الصراع، وهو البعد الديمغرافي.
فمنذ بدايات المشروع الصهيوني لم يكن الهدف مقتصراً على إقامة دولة لليهود في فلسطين، بل كان يقوم أيضاً على فرضية أن الزمن سيعمل لصالح المشروع الاستيطاني، وأن الفلسطينيين سيتراجع حضورهم بفعل التهجير أو الاقتلاع أو الذوبان في مجتمعات اللجوء والشتات.
غير أن ما حدث خلال أكثر من قرن جاء معاكساً لهذه الفرضية.
فالشعب الفلسطيني الذي تعرض للنكبة والتهجير والحروب والاحتلال والاستيطان والحصار لم يختفِ، ولم يذب في محيطه العربي أو الدولي، ولم يتخل عن هويته الوطنية. بل نجح في الحفاظ على شخصيته الوطنية الجمعية، وأعاد إنتاج ذاته جيلاً بعد جيل داخل فلسطين وخارجها.
بل إن الفلسطينيين تمكنوا من تحقيق ما يمكن وصفه بالانتصار الديمغرافي الصامت. فبعد أكثر من مئة عام على انطلاق المشروع الصهيوني، ما زال الشعب الفلسطيني موجوداً على أرضه التاريخية، وما زالت أعداده في نمو مستمر، بينما تحولت المسألة الديمغرافية إلى أحد أكثر التحديات إقلاقاً لصناع القرار في إسرائيل.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التاريخية الكبرى.
فمعظم المشاريع الاستيطانية التي نجحت في العالم الجديد، من أمريكا الشمالية إلى أستراليا، قامت في ظروف تاريخية أفضت إلى القضاء على نسبة كبيرة من السكان الأصليين أو تهميشهم ودمج من تبقى منهم داخل البنية الجديدة للدولة والمجتمع.
أما في الحالة الفلسطينية، فقد فشل المشروع الصهيوني في تحقيق أي من هذين الشرطين.
فلم ينجح في القضاء على الشعب الفلسطيني أو اقتلاعه من أرضه، كما لم ينجح في إذابته أو دمجه داخل المشروع الجديد. بل بقي الفلسطينيون شعباً حياً ومتماسكاً ومتمسكاً بهويته الوطنية وحقوقه التاريخية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من القلق الوجودي المتصاعد داخل إسرائيل.
فالدولة التي قامت على فكرة الأغلبية اليهودية تجد نفسها أمام معضلة تاريخية تتعلق بمستقبل الهوية والدولة والديمقراطية والاحتلال في آن واحد.
لقد راهنت الحركة الصهيونية على عامل الزمن، لكن الزمن نفسه بدأ يتحول إلى عامل ضغط متزايد عليها. كما أن المتغيرات الإقليمية والدولية، وتراجع فاعلية القوة العسكرية في حسم الصراع، وتنامي الوعي العالمي بالحقوق الفلسطينية، كلها عوامل تعمل بصورة متزايدة لصالح الرواية والحق الفلسطيني.
وهنا تتجلى إحدى أهم الحقائق الاستراتيجية في الصراع: أن بقاء الشعب الفلسطيني وصموده وتمسكه بأرضه وهويته وحقوقه الوطنية تحول بحد ذاته إلى عنصر قوة تاريخي واستراتيجي، وإلى أحد أبرز التحديات الوجودية التي تواجه المشروع الصهيوني في المدى البعيد.
هل يواجه المشروع الصهيوني أزمة سياسات أم أزمة وجود؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر عمقاً.
هل ما تواجهه إسرائيل اليوم مجرد أزمة حكومات وسياسات وقيادات؟ أم أن الأمر يتعلق بأزمة أعمق تمس طبيعة المشروع الصهيوني نفسه؟
هناك من يرى داخل إسرائيل أن المشكلة تكمن في السياسات الحالية، وأن تغيير الحكومات كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها.
لكن اتجاهاً آخر بدأ يطرح أسئلة أكثر جوهرية.
فبعد أكثر من سبعة عقود على قيام الدولة، لا تزال إسرائيل تخوض صراعاً مفتوحاً مع الشعب الفلسطيني ومع محيطها الإقليمي، ولا يزال الأمن الذي وعدت به مواطنيها يعتمد بصورة أساسية على القوة العسكرية والدعم الخارجي أكثر مما يعتمد على تسوية تاريخية عادلة ومستقرة.
لقد نجح المشروع الصهيوني في بناء دولة قوية ومتقدمة، لكنه لم ينجح في إنهاء الصراع على الأرض والحقوق والهوية والرواية التاريخية.
وبقي الفلسطينيون، رغم كل ما تعرضوا له، حاضرين في قلب المعادلة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بقدرة إسرائيل على كسب حرب أو معركة، بل بقدرتها على تحقيق استقرار دائم دون معالجة جذور الصراع.
ماذا يعني ذلك فلسطينياً؟
بالنسبة للفلسطينيين، فإن التحولات الجارية تفتح فرصاً وتطرح تحديات في الوقت ذاته.
فالفرصة تتمثل في عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وفي تزايد الإدراك الدولي بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق دون إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما التحدي الأكبر فيكمن في قدرة الفلسطينيين أنفسهم على استثمار هذه المتغيرات عبر الوحدة الوطنية وإعادة بناء مؤسساتهم السياسية وتفعيل طاقات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
من يعيد بناء الثقة؟
وربما يكون السؤال الإنساني والأخلاقي الأعمق وسط كل هذه التحولات هو:
من يعيد بناء الثقة التي دمرتها الحروب؟
فإعادة بناء المدن والمصانع والطرق ممكنة مهما بلغت الكلفة، لكن إعادة بناء الثقة بين البشر والشعوب هي المهمة الأصعب.
ومن يعيد للأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم شعورهم بالأمان؟
ومن يعيد للشعوب إيمانها بالسلام بعد كل هذا الدمار؟
إن السلام الحقيقي لا يبدأ بإعادة إعمار الحجر فقط، بل بإعادة الاعتبار للإنسان وحقوقه وكرامته وعدالته.
الخلاصة
قد يكون من المبكر الجزم بأن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة بصورة نهائية، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام منعطف تاريخي بالغ الأهمية.
فالمعادلات القديمة تهتز، واليقينيات التي حكمت المنطقة لعقود تتعرض للمراجعة، وموازين القوى تشهد تحولات متسارعة، فيما تعود القضية الفلسطينية لتؤكد مرة أخرى أنها ليست مجرد ملف سياسي بين ملفات عديدة، بل القضية المركزية التي سيتحدد على أساسها مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.
لقد فشلت كل محاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أو إذابة هويته أو إنهاء قضيته الوطنية. وبقي الفلسطيني حاضراً على أرضه وفي ذاكرة شعبه وفي ضمير العالم، بينما بات المشروع الذي راهن على الزمن يواجه أسئلة متزايدة يفرضها الزمن نفسه.
ولذلك فإن السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة ليس من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يمتلك الرؤية القادرة على الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق العدالة، ومن إدارة الصراع إلى حله، ومن الاحتلال إلى الحرية، ومن القوة المجردة إلى السلام القائم على الحقوق.
هناك فقط يمكن للمنطقة أن تطوي صفحة طويلة من الحروب، وأن تفتح صفحة جديدة من التاريخ أكثر استقراراً وعدالة وإنسانية.