
لم تعد قضية اللاجئين في مصر خبراً يُقرأ في صفحة الحوادث، بل تحولت إلى “خناقة يومية” تُدار بالكامل على شاشات الموبايل. بوست من سطرين، صورة قديمة بلا تاريخ، وتعليق من ثلاث كلمات كفيلون بإشعال معركة بين جارين يسكنان العمارة نفسها منذ عشر سنوات.
السوشيال ميديا لم تخترع أزمة اللاجئين، لكنها صنعت لها مكبر صوت لم تعرفه مصر من قبل. خوارزميات فيسبوك وتيك توك لا تفرق بين حقيقة وشائعة، هي فقط تكافئ “الغضب” بالمزيد من المشاهدات. لذلك تجد أن هاشتاج مثل #مصر_للمصريين يصل للترند في ساعات وقت الأزمات الاقتصادية، بينما قصص الاندماج والنجاح تبقى حبيسة بضع تفاعلات. الشائعة تنتشر كالنار في الهشيم: “اللاجئون استولوا على الشقق”، “استنزفوا الدعم”. كلمة تُكتب وتُعمم على تسعة ملايين إنسان، دون أن يسأل أحد عن مصدر الرقم أو سياقه.
وهنا تكمن الخطورة. فالمنصات حولت الإنسان إلى رقم، والمعاناة إلى مادة للتريند. غلطة فردية تُسجل في ذاكرة الجمهور على أنها “طباع كل السوريين” أو “أخلاق كل السودانيين”. الخطاب الذي كان يُهمس به في المقاهي، أصبح يُكتب علناً في التعليقات: “ارحلوا”، “احتلونا”. هذه اللغة لا تبني وطناً، بل تبني جدراناً وهمية بين من تقاسموا الخبز والشارع لسنوات.
لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر الوجه الآخر للشاشة. فهي ذاتها التي كسرت الصور النمطية. جروبات “سوريون في مصر” و”سودانيون في القاهرة” على فيسبوك أنقذت أسراً كاملة من الضياع، وفرت دواءً لمريض، ووظيفة لشاب. فيديو لطبيبة سورية تفتح عيادتها في مدينة نصر، أو شاب سوداني يبدع في البرمجة، يصل لملايين المصريين ويغير فكرة “اللاجئ العالة” إلى فكرة “الإنسان المنتج”. الضغط الرقمي ذاته أجبر الجهات الرسمية ومنظمات الأمم المتحدة على الخروج بتوضيحات وردود، فصار المواطن شريكاً في الرقابة.
الحقيقة أن مصر تاريخياً كانت وستظل “حضناً” لمن ضاقت بهم الدنيا. والتحدي اليوم ليس في وجود اللاجئين، فهذا قدر جغرافيا وتاريخ. التحدي الحقي في “أميتنا الرقمية”. نحن نملك أقوى سلاح في القرن 21 ولا نحسن استخدامه.
الحل يبدأ بسؤال بسيط قبل كل “شير”: هل هذا المصدر موثوق؟ هل هذه الحادثة تمثل شعباً كاملاً؟ هل أقبل أن يُقال هذا الكلام عني لو كنت مكانه؟
السوشيال ميديا مرآة تعكس ما فينا. إن كان فينا خوف، ستضخم الخوف. وإن كان فينا تعاطف، ستصنع جسوراً. فلنختر بوعي ماذا نعكس، لأن الكلمة على الشاشة اليوم، قد تصبح واقعاً نعيشه جميعاً غدا