تقارير وتحقيقات

صدام حفتر رئيسًا لليبيا “الموحّدة” في خطة بولس .. بين عدّاد إنجازات ترمب الوهمية، وأطماع المصالح الإقليميّة

كتب:هاني الكنيسي
تحت عنوان “روبيو مستعد لإبرام اتفاق توحيد ليبيا: قصة خدعة ترمبية أخرى”، كشف تحقيق مجلة ‘إل فوليو’ Il Foglio الإيطالية العريقة اللثام عن خبايا مثيرة في كواليس هندسة صفقة أمريكية جديدة وشيكة على حساب ليبيا، تسعى إدارة الرئيس ترمب -نظرياً- للفوز بـ”كريدت” الفضل في إبرامها بمسوغات تحقيق الاستقرار السياسي، بينما تحكمها -عمليًا- مصالح شخصية ضيقة تتقاطع مع أطماع وعوامل جيوسياسية أوسع.
التاسع والعشرون من يونيو الجاري، هو التاريخ المحدد لاستقبال وزير الخارجية الأمريكي ‘ماركو روبيو’ ممثلين عن شرق ليبيا وغربها في واشنطن، بهدف إضفاء طابع “رسمي” على احتفالية اتفاق (شكلي)، اختير له شعار “إعادة توحيد ليبيا”.
غير أن هذا الاحتفاء المرتقب -بحسب التقرير- ليس سوى محاولة رخيصة من البيت الأبيض لتسويق”اتفاق السلام التاسع” على لوحة شرف ترمب (المهووس بتعداد إنجازاته في إنهاء الحروب وإقرار السلام)، في حين تؤكد الوقائع والمعطيات الميدانية أنه اتفاق أجوف يفتقر إلى المضمون الحقيقي ومحكوم بتوازنات هشة وتقاسم عائلي للنفوذ في بلد ممزق حتى النخاع.
وفي قلب هذه المناورة الدبلوماسية، يبرز اسم ‘مسعد بولس’ صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، الذي تحول إلى “صانع صفقات” غامض يتحرك خلف الستار لإثبات كفاءته السياسية بعد سنوات قضاها في قطاع الأعمال وبيع الآلات والشاحنات في نيجيريا. إذ تتمحور “خطة بولس” حول توليفة سياسية تضمن بقاء رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد دبيبة في منصبه على رأس الحكومة، مقابل تنصيب صدام حفتر (نجل القائد الفعلي لجيش الشرق الليبي المشير خليفة حفتر) نائب القائد العام لقوات بنغازي، رئيساً للبلاد، بعدما حظي بدعم واشنطن كحل وسط “أمثل” للمرحلة المقبلة.
ويستفيض التقرير في شرح كيف أن الأسبوع الماضي لم يكن عادياً في عواصم المنطقة، إذ شهد حراكاً استخباراتياً مكثفاً قاده ‘بولس’ بين طرابلس وبنغازي والقاهرة، بدأ باستقبال دبيبة لمدير المخابرات المصرية حسن رشاد، في زيارة هي الأولى لمسؤول مصري رفيع المستوى إلى طرابلس منذ عام 2021 (بعد سنوات من الجفاء تحالفت فيها القاهرة مع الجنرال حفتر)، وتلاها لقاء جمع رشاد وبولس مع صدام حفتر في القاهرة، بالتزامن مع دخول أنقرة على الخط الساخن عبر زيارة رئيس المخابرات التركية ‘إبراهيم قالن’ إلى بنغازي، ما يوضح حجم التشابك الإقليمي المحيط بالطبخة الأمريكية.
بيد أن هذه المعادلة المفصلة على مقاس “العائلتين” في طرابلس وبنغازي تواجه عاصفة من الرفض الداخلي الشرس الذي يجعل معارضيها يفوقون مؤيديها بكثير؛ إذ لا يحظى هذا الترتيب بأي قبول لدى المكونات السياسية البارزة، أو شيوخ القبائل في غرب وجنوب ليبيا، بل يمتد الرفض إلى قلب العشائر المحلية في مصراتة، مسقط رأس دبيبة نفسه.
وأمام هذا المأزق، كشفت مصادر “إيل فوليو” أن وفداً أمريكياً يعمل لصالح “شركة استشارية استأجرتها الخارجية الأمريكية” زار مصراتة قبل نحو عشرة أيام في محاولة مستميتة لإقناع قادة القبائل بدعم الخطة، عبر آليتين أساسيتين بحسب مصدر ليبي: “إما بتقديم وعود بمناصب سياسية أو بتوزيع رشاوى مالية”، وهو ما يعكس استعداد واشنطن للاستثمار بسخاء من أجل تمرير ” خطة بولس” بأي ثمن، لدرجة أن الإدارة الأمريكية ستواصل السعي لتنفيذ هذه الخطة “حتى لو غادر مستشار ترمب وصهره منصبه غداً”، على حد تعبير مصدر مطلع.
اللافت في تحقيق المجلة الإيطالية إشارته الصريحة إلى أن هذه “الهندسة السياسية للمشهد الليبي” لا تنفصل عن الطموحات “الشخصية” والمكاسب الدبلوماسية لمسعد بولس نفسه؛ وهو الذي يسعى جاهداً لتعزيز رصيده بعد إخفاقه في تحقيق نتائج ملموسة في ملفات معقدة أخرى كالسودان والصحراء الغربية. فتذكر ‘إل فوليو’ أن بولس رشح نفسه سابقاً لإدارة السفارة الأمريكية في الرياض، وبعد رفض ترشيحه، حوّل بوصلته نحو البعثة الدبلوماسية الشاغرة في أبوظبي باعتبارها أقل حساسية، مما يجعل نجاحه المفترض في الملف الليبي تذكرة عبور ذهبية لتعيينه سفيراً، معتمداً في ذلك على روابطه العائلية كوالد لزوج تيفاني ترمب أكثر من قدراته المهنية.
وتوازيا مع “الخديعة” الأمريكية، يكشف التحقيق أن إيطاليا دخلت على خط الأزمة عبر قنواتها الأمنية؛ إذ زار رئيس جهاز المخابرات الخارجية ‘جيوفاني كارافيلي’ العاصمة طرابلس والتقى بدبيبة، وسط تساؤلات عما إذا كانت الزيارة تهدف لإعادة المواطن المصري المحكوم عليه بالسجن 7 سنوات في إيطاليا بتهمة تعذيب معتقلين في سجن معيتيقة، في مناورة من حكومة طرابلس لتفادي ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لرئيس شرطة السجن. ورغم أن الرواية الرسمية الليبية سوّقت الزيارة كبوابة للتنسيق والتعاون مع حكومة ‘جورجيا ميلوني’ في ملفات مشتركة، على رأسها الهجرة وخطة توحيد البلاد، إلا أن غياب السفير الإيطالي ‘جيانلوكا ألبيريني’ عن الصور الرسمية للاجتماع “عكس بوضوح عمق الصراع الخفي بين مكتب رئيسة الوزراء الإيطالية ووزارة الخارجية في روما بشأن إدارة الملف الليبي” (خاصة مع استئثار الخارجية الإيطالية بالفضل في إطلاق سراح بحارين إيطاليين كانوا محتجزين في بنغازي دون إبراز دور ‘كارافيلي’ في ذلك)، حسبما يذكر التقرير.
أما الخلاصة التي يمكن استنتاجها من ثنايا تحقيق المجلة الإيطالية، فهي أن روما -مثلها مثل القاهرة وأنقرة- مستعدة لمجاراة “خطة بولس” الأمريكية، بينما ستبقى ليبيا كدولة مسرحاً لتقاطع المصالح الدولية والصفقات السياسية والمالية تحت غطاء الدبلوماسية، ويبقى شعبها ضحيةً للصراعات الدموية والتشرذم على الأرض، وثمنًا لشعارات السلام والوحدة الزائفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى