قراءة في كتاب «والآن أتكلم» مذكرات خالد محيي الدين بين الشهادة التاريخية وتصفية الحساب مع عبد الناصر …..بقلم: عمرو صابح

حين يدوّن أحد صُنّاع التاريخ مذكراته، فإنه لا يكتب التاريخ من جديد، بل يقدّم شهادته عليه؛ وهي شهادة تكتسب قيمتها من قرب صاحبها من الحدث، لكنها لا تكتسب حصانة من النقد أو المراجعة.
فالمذكرات ليست وثائق رسمية، ولا أحكامًا نهائية، وإنما هي رواية شخصية يكتبها صاحبها بعد أن تهدأ المعارك، وتمتزج الذاكرة بالمواقف، وتختلط الوقائع بتأويلاتها، وتتداخل فيها حقائق الماضي مع آثار الانتصار والهزيمة، وما تخلّفه الصراعات السياسية من حسابات مؤجلة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مذكرات خالد محيي الدين أهميتها بوصفها شهادةً لأحد صُنّاع ثورة يوليو، كما تفرض، في الوقت نفسه، ضرورة إخضاعها للقراءة النقدية والتمحيص التاريخي، لا التسليم المطلق بما ورد فيها.
في عام 1992، أصدر خالد محيي الدين مذكراته «والآن أتكلم»، التي تناول فيها تجربته السياسية حتى عام 1956. وقد قدّم الكتاب باعتباره شهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، إلا أن قارئه يلحظ، منذ صفحاته الأولى، أن صاحبه لا يروي الوقائع فحسب، بل يخوض أيضًا معركة سياسية مؤجلة مع قائد الثورة جمال عبد الناصر.
وعلى امتداد صفحات المذكرات، تتوالى الانتقادات الحادة لعبد الناصر بصورة لا يمكن وصفها بأنها مجرد ملاحظات عابرة أو اختلافات في التقدير، وإنما تشكّل رؤية متكاملة تسعى إلى إعادة تقديم الرجل بصورة مغايرة لما استقر في الذاكرة العامة.
ومن بين أبرز ما أورده خالد محيي الدين أن جمال عبد الناصر أُعجب في البداية بآراء السكرتير العام لحركة «حدتو»، لكنه ما إن علم أن الرجل كان يعمل ميكانيكيًا حتى تبدّل موقفه، وسخر من خالد لأنه قبل أن يكون رئيسه التنظيمي عاملًا ميكانيكيًا، مفضلًا أحمد فؤاد لأنه كان قاضيًا، باعتبار أن مهنة القاضي أرفع من مهنة الميكانيكي.
ويضيف أن عبد الناصر رفض إدراج عبارة «الاستعمار الأمريكي» في منشورات الضباط الأحرار، كما رفض توجيه أي هجوم إلى الولايات المتحدة، ثم يذهب إلى اتهامه بأنه وافق في اتفاقية الجلاء على البند الذي يسمح بعودة القوات البريطانية إلى قاعدة قناة السويس إذا تعرضت تركيا أو إيران لهجوم سوفيتي، وذلك من أجل ضمان انتصاره في صراع السلطة عام 1954.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يذكر خالد محيي الدين أن عبد الناصر كان شديد الحرص على إثبات زعامته لتنظيم الضباط الأحرار حتى قبل قيام الثورة، وأنه غضب عندما قرأ زكريا محيي الدين يوم 22 يوليو خطة الثورة التي كان قد أعدّها بنفسه.
كما يدّعي أن عبد الناصر كان يرتدي ملابس مدنية ليلة الثورة، وأن قوات يوسف صديق ألقت القبض عليه وعلى عبد الحكيم عامر، وهي رواية لم يقل بها سوى يوسف صديق وخالد محيي الدين، بينما كذّبها جميع الضباط الأحرار، بمن فيهم خصوم عبد الناصر مثل جمال حماد.
ثم ينتقل إلى اتهامه بالغدر بحركة «حدتو» اليسارية، رغم ما قدمته — بحسب روايته — من دعم لتنظيم الضباط الأحرار ومساهمتها في التحركات التي سبقت نجاح الثورة.
أما أزمة مارس 1954 فقد أفرد لها مساحة واسعة، فادّعى أن عبد الناصر أصيب بالفزع خلال اجتماعه بضباط سلاح الفرسان في «الميس الأخضر»، حتى سقطت السيجارة من بين أصابعه عندما سمع أصوات الدبابات، بعدما ظن أن الضباط جاءوا للقبض عليه.
كما اتهمه بتدبير المظاهرات المؤيدة له خلال الأزمة عبر دفع أربعة آلاف جنيه لعدد من قيادات الحركة العمالية، وعلى رأسهم الصاوي أحمد الصاوي، بل تجاوز ذلك إلى اتهامه بالوقوف وراء عدة انفجارات في القاهرة لإثارة الذعر بين المواطنين ودفعهم إلى الالتفاف حول الثورة، وانتهى إلى القول إن انتصار عبد الناصر في أزمة مارس 1954 لم يكن إلا ثمرة دعم أمريكي له.
وذكر أن عبد الناصر كان يطالع الطبعات الأولى من الصحف قبل صدورها، ويضيف إليها أو يحذف منها ما يشاء، ثم يأمر بإعادة طباعتها.
كما صوّر حياته بعد توليه رئاسة الجمهورية باعتبارها حياة يغلب عليها الترف والأبهة، وروى أن ابنه أمين، وكان في السادسة من عمره، سأله بعد زيارة منزل الرئيس عبد الناصر:
«إنت ليه معندكش كده؟»
وهو السؤال الذي يقول خالد إنه لم يجد له إجابة.
هذه الروايات جميعًا لا يجوز التعامل معها بمعزل عن السياق الذي كُتبت فيه.
لأن خالد محيي الدين لم يكن مؤرخًا يراقب الأحداث من خارجها، وإنما كان أحد أطراف الصراع الذي انفجر داخل مجلس قيادة الثورة في مارس 1954، وهو صراع انتهى بانتصار جناح جمال عبد الناصر وهزيمة الجناح الذي ضم محمد نجيب ويوسف صديق وخالد محيي الدين.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية قراءة المذكرات قراءةً نقدية؛ لأن صاحبها لم يكن يكتب عن خصومة فكرية مجردة، وإنما عن معركة سياسية انتهت بخسارته وخسارة التيار الذي مثّله.
ولذلك فإن كثيرًا من صفحات الكتاب تبدو أقرب إلى إعادة تفسير تلك الهزيمة وإعادة توزيع المسؤوليات عنها، أكثر من كونها تسجيلًا موضوعيًا للوقائع.
ومن اللافت أن خالد محيي الدين، رغم خسارته في أزمة مارس، لم يتعرض لتصفية سياسية أو جسدية، ولم يُزجّ به في السجن، وإنما أُبعد عن مركز صناعة القرار مع بقائه داخل الإطار المؤسسي للدولة، وهو ما يكشف أن إدارة الخلاف داخل النظام الجديد لم تكن قائمة على الإلغاء الكامل، وإنما على إعادة ترتيب موازين القوة بما يحفظ استقرار الدولة في مرحلة شديدة التعقيد.
وإذا كانت المذكرات تمثل رواية أحد أطراف الصراع، فإن المنهج التاريخي يفرض مقارنتها بشهادات أخرى، خاصة إذا صدرت عن شخصيات لا يمكن اتهامها بالانحياز لعبد الناصر.
ومن أهم هذه الشهادات ما أورده المؤرخ الراحل الدكتور عبد العظيم رمضان، الذي عُرف بعدائه الشديد لجمال عبد الناصر وانتقاده الدائم لتجربته السياسية.
وقد أصدر عام 1975 دراسة مهمة بعنوان «الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 إلى نهاية أزمة مارس 1954»، اعتمد فيها على شهادات مباشرة لعدد من قادة الحركة العمالية الذين شاركوا في تلك الأحداث.
ومن بين هذه الشهادات شهادة الصاوي أحمد الصاوي، رئيس اتحاد نقابات النقل المشترك، التي سجلها عبد العظيم رمضان في حوار أجراه معه في 15 نوفمبر 1974، أي بعد وفاة جمال عبد الناصر بأكثر من أربع سنوات، وفي ذروة الحملة الإعلامية التي استهدفت تشويه صورته، وهو ما يمنح الشهادة قدرًا من الاستقلال عن أي تأثير سياسي مباشر.
ويقول الصاوي إن يوسف صديق استدعاه في 10 مارس 1954 إلى مقر اللواء السابع بالعباسية، وهناك وجد خالد محيي الدين وعددًا من الضباط المؤيدين لتصفية الثورة، وطلبوا منه التعاون في تنفيذ خطة لإنهاء الثورة عبر تنظيم إضراب شامل لعمال النقل، بالتزامن مع تحركات لطلاب الجامعات وفئات أخرى من أحزاب النظام القديم.
ويضيف أنه استُدعي مرة أخرى من قِبل يوسف صديق إلى منزله في حي الزيتون، وعندما أبدى تخوفه من الخسائر التي سيتحملها العمال إذا شاركوا في الإضراب، وعده بصرف عشرة آلاف جنيه تعويضًا لهم، مؤكدًا أن العمال سيكون لهم حزب بعد إنهاء حكم الثورة والتيار الذي يقوده جمال عبد الناصر.
لكن الصاوي يؤكد أنه بعد تفكير عاد وأبلغ قيادات هيئة التحرير بما جرى، فنقلت المعلومات إلى جمال عبد الناصر، الذي طلب منه الاستمرار في خداع يوسف صديق حتى تكتمل الصورة.
ثم جاءت لحظة الحسم في 26 مارس، حين أعلنت أربع وستون نقابة عمالية الإضراب، لكن ليس تأييدًا لمحمد نجيب ويوسف صديق وخالد محيي الدين، وإنما دعمًا لاستمرار الثورة والتيار الذي يقوده جمال عبد الناصر، وهو ما برره الصاوي بقناعته بأن انتصار الجناح الآخر كان سيؤدي إلى تصفية الثورة وعودة نفوذ أصحاب الشركات، بينما أدى انتصار عبد الناصر إلى تثبيت حقوق العمال وتعزيز نفوذ نقاباتهم.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها تنسف واحدة من أهم روايات خالد محيي الدين؛ إذ يؤكد الصاوي — قبل صدور مذكرات خالد محيي الدين بثمانية عشر عامًا — أن من عرض عليه المال كان يوسف صديق، وأن المبلغ كان عشرة آلاف جنيه لا أربعة آلاف، وأن الهدف كان تنظيم الإضراب لصالح الجناح الذي ضم محمد نجيب ويوسف صديق وخالد محيي الدين.
ولهذا فإن تصوير أزمة مارس 1954 باعتبارها معركة بين الديمقراطية والاستبداد يختزل الواقع اختزالًا شديدًا.
فالأزمة كانت، في حقيقتها، صراعًا على السلطة واتجاه الثورة؛ بين فريق رأى ضرورة استمرارها لإنجاز مشروعها، وفريق آخر رأى العودة السريعة إلى النظام النيابي.
وفي هذه المواجهة انتصر جناح جمال عبد الناصر، بينما خسر جناح محمد نجيب ويوسف صديق وخالد محيي الدين.
ومن هنا يمكن النظر إلى مذكرات خالد محيي الدين بوصفها جزءًا من أدبيات ما بعد الهزيمة السياسية؛ فهي لا تخلو من معلومات مهمة تستحق الدراسة، لكنها تحمل أيضًا محاولة لإعادة تفسير الماضي من منظور الطرف الذي خسر معركة السلطة.
لذا فإن كثافة الاتهامات وانتقائية الوقائع والإصرار على تقديم صورة سلبية لعبد الناصر تجعلها أقرب إلى نص سياسي يعيد إنتاج الصراع، لا مجرد شهادة تاريخية محايدة.
لقد خسر خالد محيي الدين معركة السلطة أمام جمال عبد الناصر في أزمة مارس 1954، لكن الهزيمة السياسية لم تكن نهاية الصراع في روايته؛ فعندما نشر مذكراته بعد أربعين عامًا من الثورة، وبعد اثنين وعشرين عامًا من رحيل عبد الناصر، بدا وكأنه يخوض المعركة مرة أخرى، لا في ميدان السياسة، بل على صفحات الذاكرة.
وهكذا تحولت «والآن أتكلم» من مجرد مذكرات شخصية إلى محاولة لإعادة محاكمة الخصم الذي انتصر في صراع السلطة، والانتصار عليه بالكلمة بعدما تعذر الانتصار عليه في موازين القوة.
غير أن التاريخ لا يُحسم بالمذكرات وحدها، ولا برواية المنتصر أو المهزوم، وإنما بالمقارنة بين الشهادات، وتمحيص الوثائق، ووضع كل رواية في سياقها السياسي والزمني.