كتاب وشعراء

مطرٌ مر على روحٍ يابسة// بقلم المبدعة// د/رقية المخلافي

ــــــ

ذاتَ حزنٍ أثقل صدرَ ذاتِ العينين البريئتين، مضت والخيبةُ تحرق روحها، كأنها جمرة لا تخبؤ
وكأنَّ جبالَ المدينةِ استقرَّت فوق قلبها
نزلت دمعتُها بحرقةٍ شديدة، وأفلتت يداها من التعب، وتسلَّل إليها اليأس بعد أن كانت تنثر البهجةَ في كلِّ مكانٍ تمرُّ به
كانت تظنُّ أنَّها النهاية، حتى هطل المطر على مدينتها البائسة، واختلطت دموعُها بقطراته ،رفعت رأسها إلى السماء، وأدركت أنَّ الله يسمع ارتجاف قلبها قبل أن تسمعه هي
وقفت تحت المطر طويلًا؛ لا لتختبئ منه، بل لتغتسل به
كانت الطرقاتُ التي عبرتها منكسرةً مثلها، وكانت النوافذُ موصدة، والريحُ تعوي في الأزقة كأنَّها تحفظ أسماء الغائبين
ومع ذلك، كان في ذلك الهطول شيءٌ يشبه الرحمة؛ رحمةٌ لا تُحدِث ضجيجًا، لكنها تُعيد إلى الأشياء نبضَها الخافت
أغمضت عينيها، وتركت للمطر أن يمرَّ فوق كتفيها المثقلتين، فوق ذاكرةٍ أتعبها الانتظار، وفوق قلبٍ ظنَّ أنَّه لن يزهر بعد اليوم
وكلَّما انحدرت قطرةٌ على وجهها، أحسَّت أنَّ حزنًا قديماً يغادرها في صمت، وأنَّ الأرض التي يبَّستها الخيبات قادرةٌ على استقبال الحياة من جديد
حينها أدركت أنَّ الأرواح لا تموت دفعةً واحدة، وأنها تذبل قليلاً ثم تُبعث قليلاً وأنَّ بعض النجاة يأتي على هيئة مطر
مطرٌ لا يغيِّر المدينة فقط، بل يغيِّر المرأة التي تقف وحيدةً في قلبها
المرأة التي تعلَّمت بعد كلِّ ما انكسر فيها أنَّ الله إذا أرسل الغيث إلى الأرض الميتة، فهو قادرٌ أيضًا أن يُنزله على روحٍ يابسة، فتخضرَّ بعد طول قحط، وتعود كما كانت؛ خفيفةً، مطمئنَّةً، وممتلئةً بالحياة

فكان المطرُ أوَّلَ رحمةٍ مرَّت على روحٍ يابسة، وآخرَ حزنٍ سكنها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى