كتاب وشعراء

مخبوزة.. قصة قصيرة بقلم الكاتب المصري: علاء الطيب

​(اهدأ.. اهدأ لا تخف، أنت أسد مثل سيدنا حمزة، صحيح يا حمزة؟!)
قالها في شفقة وحنان محاولاً أن يطمئنه قليلاً ونظر في عينيه بقوة ثم أكمل: – لا تتحرك من مكانك واستمع لنصائحي، سأترك خلفي رجلاً لا يهاب الموت، أليس كذلك؟!
​هز رأسه متفهماً لكلامه، ولكنه رد عليه في خجل وقال: – لكني جائع!!
​ابتسم الآخر، وبحركة خاصة يفهمها وكأنه ساحر، أخرج له قطعة مخبوزات يعشقها دوماً طالما استمتع بطعمها سابقاً مع كوب الشاي، لكن الوقت لا يسمح الآن لعمل مثل هذا الكوب.
​فالتقطها في سعادة غامرة وكأنما حيزت له الأرض بحذافيرها، وكاد أن ينصرف فاستوقفه مرة أخرى وقال له: – أعطني بعض النقود بحيث لو انتهت مهمتي أشتري بها ما أريد من عم (فرج).
​استدار له في لوم وكأنه يعاتبه على طلبه في ظل هذه الظروف الصعبة، إلا أنه أخرج من جيبه بطريقة سحرية مدروسة أيضاً قطعة معدنية من النقود ناوله إياها ثم قال في عطف: – معك طعام ونقود، أنت الآن لا ينقصك شيء سوى الالتزام بأوامري يا حمزة.
​هز رأسه في تفهم ثم احتضن قطعة النقود وكذلك قطعة المخبوزات في قلق، وذهب لتنفيذ أوامره في خطوات بطيئة وسط الظلام. شعر بأنه لن يراه مرة أخرى فنظر إليه نظرة حزن بها كثير من الألم. هو يعرفه، دائماً يقول له: نحن لا نهزم أبداً، لدينا طريقان ليس لهما ثالث؛ إما أن ننتصر أو نربح شهادة تدخلنا جنة عرضها السماوات والأرض. وهو يثق بهذا جداً، لكنه لا يعرف المجهول ويخشى ألا يراه مرة أخرى.
​توقفت خواطره لحظة، وتابع اختفاءه بعينيه.
ثم بدأ بالنزول تحت منضدة حديدية،
ولكن فجأةً سمع صوت انفجار رهيب،
فشده الأمر، فعاد لينظر وفي عقله صورة له،
إنه آخر ما تبقى من عائلته، إنه يخشى عليه مصير من سبق،
فضرب بأوامره عرض الحائط في عناد،
ثم خرج إلى الشارع لينظر إلى ذلك اللهب الذي تصاعد في السماء.
​فشهق في رعب وفزع.
فرآه هناك يصرخ في لوعة وهو يحذره بالرجوع.
لكنه نظر للسماء فوجد ذلك الشيء الضخم يقصف بحمم نارية كالبركان.
كان منظرها رهيباً، ومذهلاً في نفس الوقت.
ووسط صرخات الآخر، ومشهد النيران،
كان ينظر (حمزة) في بطء وذهول… و(حمزااااااااه!!!)
صرخ في فزع ولوعة وهو يقفز تجاهه وكأنه طائر كبير بلا أجنحة.
​نزلت القذيفة…. قذيفة ضخمة سقطت بجوارهما،
فأطاحت بهما في قوة رهيبة.
الآخر تمزق جسده
في عنف وقد احتضن (حمزة) الصغير ليحميه بجسده،
لكن لم يفلح ذلك الأمر وأصابت صدر الطفل شظية مشتعلة،
فحدق في رعب وألم إلى أشلاء والده، ثم نظر إلى نقوده ومخبوزته في حسرة، ثم شهق شهقة أخيرة،
و… وفارق الحياة اللعينة، رافعاً يده لأعلى حتى لا تسقط قطعة الخبز التي لم يسعفه القدر لتناولها….،
ربما يتناولها هناك، لكن بلا قلق أو خوف.
​علاء الطيب.
​انتهت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى