
في مصر، بعض الأسماء لا تبقى أسماءً؛ تتحول مع الوقت إلى وظائف: “محفوظ عجب” صار اسماً لنوع من الصحفيين يعرف أنَّ أقصر طريق إلى أعلى المبنى قد يمر أحياناً من أسفل السلم.. و”سي السيد” أصبح وظيفة في العلاقات الأسرية لا تحتاج إلى قرار تعيين.. و”محجوب عبد الدايم” تحوَّل إلى وحدة قياس للتدني حين يرتدي الطموح بدلة محترمة.. ثم جاء “مصطفى بكري” ليضيف إلى القاموس وظيفة رابعة، تستعير بعض ملامح الوظائف السابقة وتضيف إليها: الإعلامي الذي يعرف دائماً أين تقف السلطة، فيقترب منها بما يكفي ليلتقط إشارتها، ويبتعد عنها بما يكفي ليبدو مستقلاً عنها، ثم يحوّل موقفها إلى رأي، وقرارها إلى ضرورة، والاعتراض عليها إلى شبهة، والنقد، إذا تجاوز الهامش المسموح، إلى مؤامرة خارجية ممولة.. وظيفة قوامها التطبيل والتزلف، مع قدرة استثنائية على تعديل النبرة كلما تغيّر اتجاه الريح السياسية.. وهكذا لم يعد “مصطفى بكري” اسماً لرجل فقط، بل وصفاً لوظيفة كاملة الأركان، راسخة البنيان..
أن تكون “مصطفى بكري” لا يعني أن تكون ناصرياً، أو نائباً برلمانياً، أو رئيس تحرير، أو صاحب برنامج اسمه “حقائق وأسرار”، بل أن تتقن مهنة مستقلة لها وصف وظيفي شديد الدقة: شرح مقاصد السلطة للناس، وشرح غضب الناس للسلطة من دون أن يزعجها الغضب، والدفاع عند اللزوم، والتبرير عند الحاجة، والإنذار عند الضرورة، والبكاء إذا احتاج الوطن إلى مؤثرات صوتية.. ولهذه الوظيفة مؤهلات لا تُدرَّس في كليات الإعلام أو الاقتصاد والعلوم السياسية، أهمها حاسة شم سياسية تلتقط اتجاه الريح قبل نشرة التاسعة: متى تكون المعارضة شجاعة، ومتى تصبح فتنة؛ متى يكون الصمت حكمة، ومتى يصبح الصراخ وطنية.. وهو صحفي عندما يريد الكشف، ونائب عندما يريد التهديد، وإعلامي عندما يريد الشرح، ومواطن بسيط عندما يريد البكاء، وصاحب مصادر عندما يُسأل عن الدليل.. فإذا سألته عن المصدر قال: “عندي معلومات”، وإذا سألته من أين جاءت المعلومات قال: “مصادر لا أستطيع كشفها”، وإذا ألححت دخَّل “الأمن القومي”، وإذا ألححت أكثر ظهرت المؤامرة.. وهكذا، كلما قلَّ ما يقوله لك، زاد اقتناعه بأنَّه يعرف أكثر؛ فالسر عند بكري ليس معلومة يكشفها، بل هيبة يصنعها: ليس ضرورياً أن تعرف أنت؛ يكفي أن تقتنع بأنَّه “سيد العارفين”!
مصطفى بكري، صحفياً، متوسط القيمة المهنية، (“مديوكر” بالمعنى الدقيق للكلمة)، ومذيعاً أميل إلى وصفه بالضعف الشديد؛ وهو ليس استثناءً بين نجوم صنعتهم الوظيفة أكثر مما صنعتهم الموهبة؛ فالإعلام المصري عرف طويلاً شخصيات كبرت كراسيها أسرع من مواهبهم، وأسماءً كان من الأسهل تذكّر مناصب أصحابها من تذكّر ما كتبوه أو قدموه؛ غير أنَّ موهبته الحقيقية كانت في الوصول إلى أصحاب المعلومة، أو إقناعك بأنَّه قريب منهم: “مصادري” أهم من المصدر، و”معلوماتي” أثقل من المعلومة.. وهو لا يدير الحوار بقدر ما يدير الاتجاه؛ يصل بمنديل في يده اليمنى ومكبّر صوت في يده اليسرى، يبكي على المواطن (تخيل أنَّ حالنا بقى يصعب على بكري! ) ثم يشرح له لماذا يجب أن يتحمل.. وهو لا يبكي فقط ليعبّر؛ أحياناً يبدو كأنَّه يبكي ليغلق السؤال.. والدمعة في السياسة قد تعمل مثل ختم النسر: تغلق الملف! ولهذا يمكننا القول إنَّ قيمة بكري الإعلامية لا تفسر وظيفته؛ وظيفته هي التي تفسر قيمته الإعلامية..
وهو ناصري، كما يحب أن يعرّف نفسه، لكن ما يعنينا هنا ليس ناصريته، بل ما يختاره بكري منها لنفسه: الانحياز إلى الدولة القوية، والرئيس القوي، والسلطة المركزية، ومواجهة ما يراه تهديداً للدولة.. وللفقراء أيضاً مكان ثابت في خطابه؛ فهم شهادة المنشأ الأخلاقية التي لا تنتهي صلاحيتها: ابن الصعيد، ابن البسطاء، الرجل الذي يشعر بأنينهم، ويردد شكاواهم، ويغضب من أجلهم.. والمشكلة تبدأ عندما يصبح هؤلاء الفقراء أنفسهم طرفاً في خصومة مع القرار السياسي؛ عندئذ يظهر ترتيب الأولويات بلا رتوش: هو مع الفقراء ما لم يدخلوا في خصومة مع السلطة.. الفقراء عند بكري قضية، أما الدولة فعقيدة.. قلبه مع الناس وسيفه مع الدولة؛ وهذه هي النسخة البكرية من المقولة القديمة: “قلوبنا مع علي، وسيوفنا مع معاوية”، مع فارق صغير أنَّ بكري يستطيع أن يحمل القلب والسيف في البرنامج نفسه، ويفصل بينهما بفاصل إعلاني..
ولهذا يبدو حديثه المتكرر عن الفقر والشرف مثيراً للاهتمام والشفقة! ليس لأن الناصري ممنوع من الثراء، بل لأنَّ بكري نفسه يستخدم بساطة الحال باعتبارها جزءاً من شهادته الأخلاقية.. يقول (بصوت متهدج) في أحد لقاءاته التليفزيونية (أغسطس 2024): “أنا لا أملك سوى مرتبي، ولو مشوني من “صدى البلد” مش هلاقي فلوس، ومعرفش أروح فين؟” وإنَّ أولاده يقولون إنَّه لم يترك لهم إلا البيت و”السمعة الطيبة”!، ثم يعلن أنه “غني بمواقفه”! حسناً، لن نفتش جيوبه؛ هو الذي اختار وحدة القياس، فلنفتح دفتر الحساب السياسي.. وإذا كانت المواقف هي الثروة، فمن حقنا أن نسأل: كم بقي منها بعد تغير أسعار الصرف السياسي؟!
المؤكد أنَّ شبكة علاقات بكري أكثر أهمية في فهم تكوينه من عدد العقارات أو أرصدة البنوك: صدام حسين، والقذافي، وأحمد قذاف الدم، والأسد، ومسؤولون وسفراء عرب، ورجال أعمال ودوائر سلطة مصرية متعاقبة.. بعض هذه العلاقات معلن، وبعض ما قيل عن الأموال والهبات ظل اتهامات أنكرها.. المهم أنَّ الرجل الذي يحدثك دائماً بلسان البسطاء أمضى عقوداً يتحرك في غرف لا يدخلها البسطاء عادة إلا في نشرات الأخبار.. يعرف الحكام والسفراء وأصحاب النفوذ، ويحمل هاتفاً يصل إلى غرف القرار، ثم يحدثك على الشاشة بنبرة رجل ما زال يحسب ثمن الدقيقة من كابينة تليفون في القرية! أسمع كلامه أصدقه، أسمع نحيبه أتأثر، أشوف أموره أستعجب، أشوف قائمة الممتلكات التي نسبها إليه طلعت السادات، رحمه الله، أسبهل وأتنح..
والأرشيف أكثر إزعاجاً لبكري من أي (كولاج) ساخر.. الصورة الشهيرة التي تجمعه بجمال مبارك، وطنطاوي، والإخوان، وحزب النور، والثوار، وعمر سليمان لا تثبت وحدها شيئاً؛ فالصحفي أو السياسي قد (يتصور) مع الجميع.. والصور قد تظلم أصحابها، أما الأرشيف فأقل ظلماً وأكثر قسوة.. قبل سقوط مبارك كانت لغته تجاه جمال والتوريث أقل حدة كثيراً من اللغة التي صاغ بها الملف بعد سقوط النظام.. وبعد يناير تحدث عن الإخوان باعتبارهم طرفاً أساسياً في الثورة، ثم أصبحوا في روايته اللاحقة جزءاً من المؤامرة عليها.. وشارك في يناير، لكنه استطاع لاحقاً الاحتفاظ بشرف المشاركة مع إعادة تفسير الثورة نفسها..
ليست موهبة بكري أن ينكر أين كان؛ موهبته أن يغير معنى المكان بعد أن يغادره.. والمواقف القديمة عنده لا تُحذف؛ تحصل فقط على تحديث يجعلها متوافقة مع النظام الحالي.. والماضي عنده لا يتغير؛ الذي يتغير هو التعليق المكتوب تحته.. ولذلك، لا تسمعه كثيراً يقول: كنتُ مخطئاً؛ بل يقول: لقد كنتُ هناك بالفعل، لكنكم لم تفهموا لماذا كنتُ هناك (يا عوبطة بصوت محمد لطيف)؛ وهكذا لا توجد مراجعة بقدر ما توجد طبعات منقحة من الذاكرة.. ولذلك ربما يكون الأدق وصفه بأنَّه رجل مواقع أكثر منه رجل مواقف؛ فالموقف يحتاج إلى اتساق وقد يكلّف صاحبه، أما الموقع فيحتاج إلى مرونة وغالباً ما ينقذه.. ولهذا يمكن لبكري أن يعبر من مرحلة إلى أخرى وهو يحمل أرشيفه معه دون أن يشعر بثقل التناقضات!
وقد قدمت تيران وصنافير نموذجاً صافياً لهذه الوظيفة التي يؤديها بكري؛ حين اصطدم اتجاه شعبي واسع بالرواية الرسمية، لم يقف وسيطاً بين الروايتين، بل تحوَّل إلى محامٍ شعبي عن الرواية الرسمية: وثائق، ومصادر، ويقين، ووطنية، وغضب من المشككين، إلى حدِّ أنَّه أعلن استعداده للاستقالة من البرلمان والجلوس في بيته إذا أثبتت مناقشات البرلمان مصرية الجزيرتين!! والقضية هنا ليست إن كان قد أصاب أو أخطأ، بل في الطريقة التي يتحول بها الرأي عنده إلى يقين، واليقين إلى مقياس للوطنية.. وهنا تظهر قاعدة تفسر جانباً كبيراً من أدائه: الحكومة عند بكري قابلة للجلد، أما الرئاسة فغير قابلة للمساس، فإذا غضب الناس من وزير، يستطيع أن يغضب معهم ويهاجمه؛ أما إذا صعد الغضب إلى الرئيس، وقف بكل جوانحه مع الرئيس.. ومهنياً، هذه براعة أكبر من مجرد التأييد؛ فالمؤيد الصريح يكشف نفسه، أما بكري فيأخذك معه جزءاً من الطريق، ثم يتركك عند بوابة السلطة، ويبيعك لها بثمن بخس..
ولا شك أنَّ الوظيفة التي أرسى دعائمها مصطفي بكري وأصبحت تسمى باسمه تزداد أهميتها كلما ازدادت الأزمات؛ فالهدوء يقلل الحاجة إلى من يشرح ويبرر ويحذر، أما الخوف فيمنحها ساعات بث إضافية.. حتى إنَّ اسمه يبدو أحياناً كزر طوارئ في لوحة التحكم الإعلامي: أزمة؟ غضب؟ قرار يصعب شرحه؟ استدعوا بكري.. وهو يعرف جيداً الخلطة اللازمة لهذه اللحظات: يطمئنك إلى أنَّ الدولة قوية، ثم يخيفك من أنَّ المؤامرة أكبر مما تتصور؛ خوف يكفي لإسكات السؤال، وطمأنينة تكفي لمنع الغضب.. ولذلك يصبح من مصلحته أن تظل المؤامرات حاضرة، والتهديدات قائمة، والخطر دائماً على الأبواب؛ فلو هدأ العالم فجأة، ماذا سيفعل مصطفى بكري؟ ثم إنَّ “أكل العيش مُرّ” ، والوظائف الحقيقية (المحترمة) شحيحة في هذه الأيام..
في مصر، قد يتغير الرئيس والحكومة والبرلمان والقناة والشعار، بل قد يتغير تعريف الوطنية نفسه، لكن ما دامت هناك سلطة تحتاج إلى من يشرحها للناس، وناس يحتاجون إلى من يشرح لهم لماذا ينبغي أن يتحملوا قراراتها، فسيظل في كراسة شروط الإعلام المصري بند لا يحمل اسماً مهنياً، بل اسماً شخصياً: “مطلوب مصطفى بكري”.. وأهلنا الطيبون في مصر لديهم اسم شعبي (عريض) لهذه الوظيفة؛ قد لا يكون من اللائق أن أكتبه هنا، لكنني على يقين من أنَّ “مصطفى بكري” أكثر العارفين به..