حسام السيسي يكتب :سدّ النهضة بين «سينهار وحده» و«سيبوها تغرق»: قراءة في أزمة البدائل الاستراتيجية

لفتني منشور الدكتور مأمون فندي على منصة «إكس»، لا من زاوية الاتفاق أو الاختلاف مع رفضه للحرب، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بكيفية تفكيرنا في الأزمات الاستراتيجية حين تضيق أمامنا مساحة البدائل.
..
يقول فندي إن الرد المصري على إثيوبيا ينبغي أن يكون «اللا رد»: لا حرب، ولا ضجيج، ولا تحويل سد النهضة إلى «مركز الكون السياسي المصري» نراقب المياه، نحصّن السد العالي، نوسّع التحلية وإعادة الاستخدام، ونترك أديس أبابا تتحمل كلفة إدارة سد بسعة تخزينية تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب وقدرة توليد تتجاوز خمسة غيغاواط، حتى «تغرق في ميتها»..
..
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى هادئة وعقلانية، خصوصاً إذا كانت البديل المطروح هو الحرب. لكنني أعتقد أن هنا تحديداً تكمن المشكلة، رفض الحرب شيء، وتحويل عدم الحرب إلى استراتيجية شيء آخر تماماً.
وهذا ما أعاد إلى ذهني سردية مصرية قديمة صاحبت أزمة السد في سنواتها الأولى: «لا تستعجلوا… السد سينهار وحده».
ظهرت آنذاك تقديرات وتصريحات تتحدث عن مشكلات جيولوجية وإنشائية واحتمالات انهيار السد، وبعضها ذهب إلى توقعات زمنية محددة.
مرت السنوات، ولم ينهَر السد. بل أصبح واقعاً استراتيجياً قائماً، واكتمل تشغيله وتدشينه.
لا تعني هذه الحقيقة أن احتمال الانهيار كان مستحيلاً، فدراسة احتمالات الفشل الهندسي شيء، وبناء سياسة دولة على افتراض وقوعه شيء آخر.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحتمال إلى يقين سياسي.
وهنا أجد تشابهاً لافتاً بين السرديتين:
بالأمس: «السد سينهار وحده».
واليوم: «سيبوها تغرق في ميتها».
تغيرت العبارة، لكن السؤال بقي نفسه:
ماذا لو لم يحدث ما نتوقعه؟
ماذا لو بقي السد لعقود؟ ماذا لو أصبح جزءاً طبيعياً من الاستراتيجية الإثيوبية؟ ماذا لو كانت قيمته السياسية والسيادية بالنسبة لإثيوبيا أكبر من تكلفته الاقتصادية؟
ماذا لو تحول إلى أداة نفوذ إقليمي لا مجرد مشروع كهرباء؟
هنا لا تعود القضية قضية سد فقط، وإنما قضية من يصنع الواقع ومن ينتظر الواقع.
وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأوسع في الخطاب المصري حول سد النهضة،،كثيراً ما يجري اختزال الخيارات في ثنائية فقيرة.. إما الحرب، وإما لا شيء.
لكن الاستراتيجية ليست حرباً أو لا حرب.
الاستراتيجية هي.. كيف تجعل الطرف الآخر يعيد حساباته من دون أن تضطر إلى الحرب؟
وهذا يمكن أن يكون عبر الدبلوماسية، والتحالفات، والقانون، والاقتصاد، والنفوذ الإقليمي، والعلاقات مع دول حوض النيل، والوجود في القرن الأفريقي، والردع، ومزيج محسوب من كل ذلك.
أما التحلية وإعادة الاستخدام وحماية السد العالي، فهي ضرورية للأمن المائي المصري، لكنها في حد ذاتها إجراءات للتكيف مع الخطر، وليست أدوات لتغيير سلوك مصدر الخطر.
فالتحلية لا تجعل إثيوبيا تلتزم بقواعد تشغيل معينة، وإعادة استخدام المياه لا تنتج اتفاقاً ملزماً، وتحصين السد العالي لا يغير قواعد سد النهضة.
إنها تقلل خسائر مصر، وهذا مهم، لكنها لا تمنع الخصم بالضرورة من إنتاج الخطر.
ثم تأتي مسألة «ميزان القوة» التي أجدها أحياناً أكثر تبسيطاً من اللازم. بعض اللجان والتحليلات تقارن عدد الطائرات والدبابات والجنود والميزانيات، ثم تخرج بنتيجة أن مصر أقوى عسكرياً بفارق كبير.
لكن هذا ليس ميزان القوة الاستراتيجية، وإنما جرد للقدرات.
السؤال الحقيقي ليس: من يملك طائرات أكثر؟
بل: من يستطيع تحويل قوته إلى نتيجة سياسية؟
الجغرافيا مهمة، والمسافة مهمة، وطبيعة الهدف مهمة، والدفاعات مهمة، وموقف السودان مهم، والبيئة الدولية مهمة، والأهم: ماذا يحدث في اليوم التالي؟
قد تكون مصر أقوى عسكرياً بكثير، ومع ذلك لا تكون الحرب في مصلحتها. وفي الوقت نفسه، لا يعني رفض الحرب أن القوة العسكرية بلا قيمة.
هنا يظهر معنى الردع.
القوة ليست فقط ما تستخدمه، وإنما ما تجعل الخصم يحسب حساب استخدامه.
ولهذا فالسؤال الذي أراه أهم من «هل نحارب إثيوبيا؟» هو:
كيف نجعل إثيوبيا تعيد حساباتها من دون أن نضطر إلى الحرب؟
هذا هو جوهر الاستراتيجية.
أما أن نقول: لا حرب، راقبوا، حصّنوا، حلّوا، وأعيدوا الاستخدام، وانتظروا أن تتحمل إثيوبيا كلفة السد، فنحن نشرح كيف تتعايش مصر مع المشكلة، لا كيف تغير ميزانها.
والفارق بين الاثنين جوهري.
…
الدولة لا تبني استراتيجيتها على ما تتمنى أن يحدث للخصم، وإنما على كل ما يمكن أن يحدث.
إذا انهار السد، ماذا نفعل؟
إذا لم ينهَر، ماذا نفعل؟
إذا التزمت إثيوبيا باتفاق ملزم، ماذا نفعل؟
إذا رفضت، ماذا نفعل؟
إذا جاء جفاف شديد، ماذا نفعل؟
إذا أصبح التشغيل الأحادي أمراً واقعاً، ماذا نفعل؟
إذا تغير موقف السودان، ماذا نفعل؟
إذا دخلت قوى دولية جديدة إلى المعادلة، ماذا نفعل؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف وجود عقيدة استراتيجية من عدمها.
لذلك لا أرى أن أخطر ما في سد النهضة هو السد نفسه.
الأخطر أن تتحول إدارة الأزمة إلى انتظار دائم لخطأ إثيوبي أو انهيار إثيوبي أو إنهاك إثيوبي أو تدخل خارجي ينقذنا من المشكلة.
…
أنا لست مع الحرب، لكنني أيضاً لست مع تحويل عدم الحرب إلى فلسفة.
المطلوب ليس أن تضرب مصر إثيوبيا، ولا أن تجعل السد مركز سياستها، ولا أن تنتظر انهياره أو «غرق» إثيوبيا في مياهه.
…
المطلوب أن تمتلك مصر منظومة بدائل تجعل الحرب آخر الخيارات، لا لأن البدائل غير موجودة، وإنما لأن الدولة نجحت في بناء قدرة سياسية وإقليمية وقانونية واقتصادية وردعية تجعل الخصم يحسب حساب كل خطوة.
وهنا تحديداً يكمن الفارق بين الردع والانتظار:
أن يسأل الخصم: «ماذا تستطيع مصر أن تفعل؟»
لا أن تنتظر مصر نفسها الإجابة عن سؤال: «ماذا سيحدث للسد؟»
الأول استراتيجية.
أما الثاني، مهما بدا هادئاً وذكياً، فقد يكون في النهاية إدارة لقلة الحيلة أكثر منه إدارة للقوة.