
يوصي أدوارد سعيد المثقف بأن يكون في نزاع أبدي مع الأوصياء، كل الأوصياء، لكن من هم هؤلاء في الواقع؟
هناك فهم شائع وخاطئ في أن نظام الرقابة والتلصص من إختصاص السلطة وأجهزتها الرقابية فقط، لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير وأشمل وأعقد:
السلطة الاجتماعية أول مؤسسة قمعية لها نظام رقابي ومنظومات عقابية
كالخلع والنبذ والتشهير والاقصاء وحتى القتل. أما الكاتب و” المثقف” المتطابق مع الجميع بلا اختلاف، فمن الأفضل له أن يصبح بائع شاورمة حسب الروائي حنا مينة لأن الكاتب والمثقف صورة مستقبل.
السلطة الاجتماعية بنية ونواة السلطة السياسية وتصب روافدها في النظام السياسي والمصدّر الرئيس له بجيوش من الخاضعين والخائفين والمروضين والمطيعين بذرائع كثيرة ملفقة ومن التقاليد والاعراف.
المثقف الحقيقي منفي ليس جغرافياً بل من لحظة حمل القلم والحلم والتأمل يدخل في صراع مفتوح مع الجميع وهو في وطنه.
الركض خلف الحشود ويعرف بــــــــــــــــ” سقوط النخبة” نوع من تسليم العقل والاستقالة العقلية وفي مجتمعاتنا اذا أصاب الوهم شخصاً يسمى المجنون وإذا أصاب جماعة يسمى عقيدة بتعبير الروائي روبرت بيرسون.
صحيح الانسان كائن اجتماعي يحتاج الى الشعور بالأمان من الجماعة والخوف من العزل والاتهام لكن دور المثقف هو رفض الركض خلف الحشود في قضايا مصيرية حتى لو كلفه ذلك العزل والاتهام والاقصاء وقد حدث هذا في كل تاريخ المثقفين لأن فقدان المثقف حس الاتجاه والرؤية في الظلام وسط الضجيج يفقده بوصلة الطريق وتفكيك خطابات الضجيج الشعبية والتحذير من مخاطر اليوم القادم دون ان يكون مع هذا او ضد ذاك بل مع الحقيقة بلا اي وصاية. الاندفاع خلف الحشود والحشود” ولاء” والولاء عدم التفكير حسب جورج أورويل، يعني منح الأوهام الشعبية طابعاً شرعياً، أي يتحول” المثقف” جزءاً من مشروع الخراب حتى لو أخفى رأسه في الضجيج لكن كل شيء موثق.
عندما يتبنى المثقف أوهام الحشود يفقد وضوح الرؤية ويتحول الى جزء من الحشود في الطريق الى الهاوية ولو عدنا الى تاريخ العراق الحديث لوجدنا أن” المثقف التبشيري العقائدي المؤدلج” كان شريكا في كل المذابح لكن هذا الصنف يختفي في المذبحة بل يبررها ويتحمل السياسي الغبي المسؤولية في دفاع فاشل وسطحي وساذج.
جنون الحشود ليس حكراً على عامة الناس فحسب بل تقع فيه نخب أهل القلم والثقافة وتندفع خلف الأوهام الشعبية والسرديات الشفوية بلا فحص لدوافع مختلفة كما حدث قبل الاحتلال عندما رفع حوالي 350 من الكتاب والشعراء والروائيين والسياسيين برقية الى جورج بوش وتوني بلير تطالب باحتلال العراق في سابقة لم تحدث في التاريخ ولن تحدث ثم بعد الاحتلال وفي برقية ثانية الى الاثنين تشكرهما على الاحتلال وتم حذف قائمة الموقعين من كل المنابر لأنها فضيحة خاصة وان الناس في العراق لا تعرف بذلك وكانوا في قطيعة اعلامية مع الخارج بسبب نظام متوحش مغلق.
عندما عاد هؤلاء الى العراق، اختلقوا قصص خلاف مزيفة مع معارضيهم الذين كانوا يؤكدون ان مشروع الاحتلال مشروع هيمنة ومن الضروري التحذير من المخاطر القادمة وليس منع حرب مقررة لأن هذا هو دور المثقف عبر التاريخ: الاستباق، التحذير، عدم الاندفاع خلف الحشود والأوهام الشعبية.
في بعض لحظات التاريخ تقع الشعوب الخارجة من قهر طويل في ما يسمى” الأوهام الشعبية الاستثنائية وجنون الحشود” عنوان كتاب تشارلز ماكاي ونشر عام 1841 ولا يزال حتى اليوم مرجعا في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والنفس.
لكن الحشود لا تعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي لان الزمن تجمد عند لحظة واحدة هي الحاضر، وعدوى العواطف يتحول الى قرارات وتصورات عن مستقبل وهم وتدفع العدوى الجماعية الجمهور نحو خيارات لا يعرف عنها شيئاً ليكتشف يوما ان المسافة بين الواقع وبين الخيال مسافة بين شاطئ وآخر وتبدأ من جديد لعبة جديدة.
إن التحجج برأي الاغلبية هو وهم “Majority Illusion” فلم تكن الاغلبية يوما وعبر التاريخ على صواب بل الاغلبية ليست عددا بل في الحقيقة ولو كانت مفردة ومعزولة كما حدث في التاريخ وحتى في تاريخ الأنبياء.
كان المفكر والروائي فرانز فانون منذ أوائل الثلاثينات قد حذر من ان الشعوب الخارجة من قهر طويل ، يجب أن تنعطف، حالاً، نحن بناء مؤسسات الديمقراطية، وعكس ذلك ستتجه نحو الفاشية وستعيد انتاج نظام جلادها للتعويض عن عار معتق واذلال طويل،
وذهبت تحذيرات فانون ادراج الرياح وكانت النتيجة: ولادة النازية والفاشية وكلاهما قدما مشروعهما كانقاذ ومخلص لكنه انتهى بالخراب والدمار.
الغريق لا يهمه من المنقذ لحظة الغرق سواء كان دولفينا او قرصانا او كاهنا او سفاحا بل تهمه فكرة الانقاذ ،
لكن سؤال المثقف مختلف حتى وسط الاحتفالات: ماذا بعد الانقاذ؟ وهو ليس سؤال الحشود المستنزفة لانها غارقة في أوهام وأحلام وكوابيس الماضي لكنه سؤال المثقف، وقد قدم لنا التاريخ امثلة لا حصر لها عن ايام ما بعد الغرق.
ان يندفع الناس نحو هذا النوع من الجنون المبرر ، أمر مفهوم ، لكن أن يندفع مثقفون خلف الحشود بلا صورة واضحة عن المستقبل ولا كشف التعقيد المركب للاعصار ، فهي خاصية معروفة في المثقف العربي، الذي لم يحدث مرة واحدة ان اخبرنا عن صورة مستقبل لانه اما مؤدلج او يسقط رغباته على واقع جديد لا يتطابق مع الحقيقة او يفكر من منطقة الجرح.
لا تعثر على هذه” الاحتفالية” لدى المثقف الغربي الذي يضع كل التوقعات والمخاوف والهواجس عن وعي عميق بطبيعة الازمة وتعدد الاطراف والمصالح والنوايا الخفية التي كجبل الجليد لا يظهر منه غير الرأس.
باستثناء المثقف العربي الذي يتحدث عن اعصار سياسي عصف بالمنطقة بلغة وثوقية جازمة حازمة مع ان لغة السياسة لغة احتمالات،
كما لو انه يتحدث عن طبخة عشاء او برنامج سهرة قادم او حفل موسيقي:
من أين تأتي الثقة لهؤلاء ؟ من أين يأتي هذا” الايمان” بأن اللغة هي الواقع؟
الثورة حسب التوصيف الدقيق لـــ حنة أرندت في كتابها” الثورة” تفرق بين العصيان المسلح والاضراب والاعتصام والانتفاضة وبين الثورة:
” ” إن الثورة تعني ان مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تماماً، قصة لم تروَ سابقاً ولم تعرف قط، هي على وشك الولادة”.
القلوب الغليظة الفظة التي لا تعرف الحب لا تصنع ثورة أبداً بتعبير تولستوي بل تخلق مجازر.