قراءة نقدية في قصص “انتحار مائل” : السقوط وانقلاب المعنى… للشاعر السوري زكريا شيخ أحمد / بقلم شيماء محمد شاهين

يا زكريا شيخ أحمد، قرأتُ «انتحار مائل» بوصفها ست قصص قصيرة جدًا، لكنها لا تعتمد على قِصرها وحده، بل على انقلاب المعنى في اللحظة الأخيرة. العنوان نفسه يهيئ القارئ لفكرة السقوط، غير أن وصف الانتحار بأنه «مائل» يوحي بأن السقوط في هذه القصص ليس مباشرًا، بل يأتي منحرفًا عن صورته المتوقعة، بحيث ينتقل الأذى من شخص إلى آخر، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الواقع إلى اللغة والهوية
في قصة «مرآة»، يبدأ الرجل بإطلاق النار على عدوه الذي يراقبه من خلف زجاج النافذة، فيبدو المشهد كأنه مواجهة مع شخص آخر. لكن النهاية تكشف أن العدو لم يكن إلا انعكاسه، فيسقط الجار بينما يسقط هو مدرجًا بدماء انعكاسه. هنا تتحول المرآة من أداة للرؤية إلى أداة لكشف العنف الموجه إلى الذات؛ فالإنسان الذي يظن أنه يحارب خصمه قد يكون في الحقيقة يطلق النار على صورته الداخلية
أما «غياب»، فتبدأ بحركة يومية هادئة: ترتيب القمصان وتنظيف المعاطف من الغبار. غير أن الالتفات إلى الغرفة يكشف جسدًا معلقًا بين الثياب، منسيًا منذ الشتاء الماضي. قوة القصة نابعة من التناقض بين العناية بالملابس وإهمال الجسد، وبين ترتيب الأشياء وترك الإنسان غائبًا في المكان نفسه. الغياب هنا ليس سفرًا ولا موتًا معلنًا، بل وجودٌ منسي داخل تفاصيل الحياة اليومية
وفي «ذكاء»، تضع الإنسان والروبوت أمام سؤال أخلاقي واحد. الروبوت يسأل لماذا مُنحت الآلات قلوبًا من حديد، بينما يبكي البشر لأن قلوبهم صارت مثلها. السؤال يقلب العلاقة بين الصانع وصنيعته؛ فالآلة تبدو أكثر وعيًا بالتناقض من الإنسان الذي صنعها. ثم يأتي ضغط زر المحو مصحوبًا ببكاء المهندس، لتظهر المفارقة: الإنسان يمتلك القدرة على الإبادة، لكنه لا يزال يحمل بقايا ضمير تجعله يبكي أمام ما صنعته يداه
أما «خيانة»، فتقوم على مفارقة أدبية بارعة. رجل يمضي عشر سنوات في كتابة رواية عن الوفاء والأمانة، لكنه يكتشف عند طباعة النسخة الأولى أن البطل سرق المخطوطة وهرب خارج الكتاب. هنا تتمرد الشخصية على مؤلفها، وتصبح الخيانة جزءًا من بنية الرواية لا موضوعًا فيها فقط. البطل لا يخون شخصًا آخر وحسب، بل يخون العالم الذي منحه وجوده، وكأن النص نفسه يرفض أن يطيع الفكرة الأخلاقية التي أراد الكاتب تثبيتها
وفي «ثمن»، يتحول الوقت إلى كائن يلتهم حياة الرجل ثانيةً بثانية. يشتري ساعة ذهبية باهظة ليضمن تنظيم وقته، لكنه يمضي بقية عمره جالسًا أمامها، يراقب العقارب وهي تلتهم مدخراته. المفارقة هنا أن الأداة التي صُنعت لإدارة الوقت تحولت إلى سيدٍ يستعبد صاحبه. لقد دفع ثمن الساعة، ثم دفع ثمن مراقبتها، ثم اكتشف أن ما خسره لم يكن المال وحده، بل العمر الذي أنفقه في مراقبة العمر
أما «هوية»، فهي أكثر القصص اتصالًا بعنوان المجموعة، لأن السؤال فيها لا يتعلق بما يملكه الإنسان من بطاقة أو اسم، بل بما إذا كان موجودًا أصلًا. يمرر الرجل بطاقته فيؤكد الجهاز أن الهوية صحيحة، لكنه ينفي وجود الكائن. بهذا الفصل بين صحة الوثيقة وغياب صاحبها، تكشف القصة مأزق الإنسان الذي تتحول هويته إلى رقم قابل للتحقق، بينما يختفي وجوده الحقيقي خلف الأوراق والأنظمة.
ثم تأتي الصورة الأخيرة: ينظر إلى يديه فلا يجد سوى حبر أسود يسيل على الأرض. اليدان، وهما رمز الفعل والوجود، لا تعودان تحملان جسدًا، بل تتحولان إلى كتابة سائلة. وهنا تلتقي قصة «هوية» بالكتابة نفسها؛ فالإنسان قد يختفي، لكن أثره يبقى حبرًا، أو قد يتحول إلى حبر من دون أن يبقى منه كائن حي يمكن الإمساك به
يا زكريا، تجمع قصصك بين المفاجأة والاختزال، لكن المفاجأة عندكِ ليست حيلة شكلية، بل وسيلة لإعادة بناء المعنى. في «مرآة» يكتشف الإنسان أنه عدوه، وفي «غياب» يظهر المنسي داخل بيته، وفي «ذكاء» يتفوق السؤال الأخلاقي على صانعه، وفي «خيانة» تتمرد الشخصية على الكاتب، وفي «ثمن» يلتهم الوقت صاحبه، وفي «هوية» تنفصل الوثيقة عن الكائن
ما يربط القصص جميعًا أن الإنسان يفقد السيطرة على الشيء الذي ظن أنه يملكه: يملك السلاح فيصيب انعكاسه، ويملك البيت لكنه لا يرى الجسد الغائب، ويملك التقنية فتفضحه، ويملك الرواية فتخونه شخصياتها، ويملك الساعة فتبتلع عمره، ويملك بطاقة الهوية بينما يختفي وجوده. لذلك جاء «الانتحار المائل» عنوانًا مناسبًا؛ فكل قصة تعرض شكلًا من أشكال الانهيار غير المباشر، حيث لا يسقط الإنسان بالطريقة التي يتوقعها، بل يسقط داخل صورته أو ذاكرته أو أدواته أو لغته.
أبدعتَ يا زكريا في كتابة قصص قصيرة تترك أثرًا أطول من حجمها، وتمنح القارئ نهايةً لا تغلق الحكاية، بل تعيد فتحها في ذهنه. هذه نصوص تقوم على الاقتصاد اللغوي، والانعطاف المفاجئ، والمفارقة السوداء، وتضع الإنسان أمام أسئلته الأكثر قلقًا: من أكون حين تنفصل صورتي عني، وماذا يبقى مني حين يتحول وجودي إلى غياب أو حبر أو انعكاس؟
انتحار مائل
**********
( ست قصص قصيرة جدا )
مرآة
••••
استجمع شجاعته و أطلق النار على عدوه
اللدود الذي يراقبه من خلف زجاج النافذة.
مات الجار و سقط هو مدرجاً بدماء الانعكاس.
غياب
•••••
فتح خزانة ملابسه، رتب القمصان و نظف
المعاطف من الغبار.
عندما التفت ليغلق الغرفة، رأى جسده لا يزال
معلقاً بين الثياب، منسياً منذ الشتاء الماضي.
ذكاء
••••
سأل الروبوتُ مهندسَه قبل جولة الإبادة
الأخيرة:
“لماذا تمنحوننا قلوباً من حديد بينما تبكون
لأن قلوبكم صارت مثلنا؟”
ضغط المهندس على زر المحو، ثم أجهش
بالبكاء.
خيانة
•••••
قضى عشر سنوات يكتب رواية عظيمة عن
الوفاء و الأمانة.
عندما طبع النسخة الأولى سرق البطلُ
المخطوطةَ و هرب خارج الكتاب.
ثمن
•••••
اشترى ساعة حائط ذهبية باهظة الثمن تضمن
تنظيم الوقت بدقة متناهية.
أمضى بقية عمره جالساً أمامها،
يراقب العقارب و هي تلتهم مدخرات حياته
ثانية بثانية.
هوية
••••••
توقف عند حاجز التفتيش الإلكتروني،
مرر بطاقته الشخصية، فقال له الجهاز:
“الهوية صحيحة، لكن الكائن غير موجود”.
نظر إلى يديه، فلم يجد سوى حبر أسود يسيل
على الأرض.
زكريا شيخ أحمد