تقارير وتحقيقات

في أحدث حلقات لغز “عملية العرابيد”: قوة إسرائيلية تنكرت في زي القسام واختطفت “صائد الجواسيس”

كتب:هاني الكنيسي
بعد مرور أسبوعين كاملين، لا تزال عملية اختطاف العقيد معين العرابيد، مسؤول جهاز الأمن الداخلي في غزة، من قلب المربع الأمني لحماس بالقطاع، لغزًا تتكشف بعض تفاصيله الدرامية في “تسريبات” متقطعة، بعضها من مصادر فلسطينية، وبعضها من مصادر “مجهّلة”، ومعظمها يتداوله الإعلام العبري، دون أن تُقدم لا حركة حماس ولا الحكومة الإسرائيلية رواية “رسمية” متكاملة حتى الآن.
وأعترف بأن فضولي “الشخصي” يدفعني لتتبع كل ما يُنشر أو “يُسرّب” بشأن هذه القصة الغامضة، وأجتهد -بحكم الوازع الصحفي- في مقارنة الروايات وتقفي “أجندة” المصدر .. على أمل رسم صورة أقرب لما حدث فعلًا على الأرض، بعيدًا عن التقارير المتواترة في الإعلام العبري (مثل “القناة 12″، وصحيفة ‘يسرائيل هيوم’)، وفي بعض المصادر الفلسطينية (مثل “مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان” في غزة) عن تدهور حالته الصحية بعدما نُقل مصابًا -لكن بكامل وعيه- للعلاج في أحد المستشفيات الإسرائيلية، حيث خضع لعمليات جراحية بسبب إصابات في الأطراف والفخذ والظهر، وما أشيع لاحقًا عن نقله قبل أيام إلى وحدة “العناية المركزة”، موصولاً بجهاز التنفس الاصطناعي.
الحلقة الأحدث في مسلسل عملية خطف العرابيد، نشرت تفاصيلها قناة i24NEWS العبرية، نقلًا عن “مصادر فلسطينية مطلعة على تحقيقات جهازي الأمن الداخلي والاستخبارات الأمنية في كتائب القسام”، حسب زعمها. (*لا يعني عرض هذه الرواية هنا أن كاتب المنشور يتبناها أو يروج للدعاية الصهيونية، وإنما القصد مشاركة معلومات من مصادر “مفتوحة” مع المهتمين -أمثالي- بالقصة).
تقول الرواية الجديدة: كان العقيد ‘معين محمد العرابيد’ منهمكًا في الاستعدادات لعقد قران نجله عبيدة (الذي أصيب في الاشتباكات لاحقًا برصاصة أزالت عينه وبشظايا في جسده)، في منزل مستأجر بمنطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، و ولم يكن يدرِ أن حركته مرصودة عبر كاميرات مراقبة تم تثبيتها على أسطح بنايات في محيط المنطقة (قام بتركيبها عملاء فلسطينيون ودمرتها الطائرات الإسرائيلية لاحقًا أثناء تغطية الاشتباكات التي اندلعت يوم العملية).
وفي صبيحة أول أيام شهر سبتمبر الحالي، قامت قوة إسرائيلية خاصة بانتحال صفة عناصر من “كتيبة التفاح والدرج” التابعة لكتائب القسام (الجناح العسكري لحماس)، وعندما أوقفتها سيارة أمنية تابعة لحماس بغرض التفتيش، تحدث سائقها بلكنة فلسطينية متقنة، وقدّم قائدها أفراد قوته المسلحة على أنهم في مهمة خاصة للإيقاع بعناصر من ميليشيا فلسطينية عميلة لإسرائيل. وكانت النتيجة، أن حصلت القوة الإسرائيلية المتنكرة في ملابس القسام على “مساعدات أمنية ومياه” من عناصر حماية محلية قبل ساعات من تنفيذ العملية.
المصادر التي تحدثت إلى i24NEWS زعمت أن “قيادة حماس ذُهلت” عندما حققت مع 3 فلسطينيين؛ بينهم سيدة، تبين أنهم “متخابرون أشرفوا على مشروع إغاثي باسم منظمة دولية” وتبين أن هدفهم كان تسهيل المهمة الخاصة، كما تبين أنهم لا يملكون معلومات عن العملية سوى أنه “طُلب منهم تصوير أهداف معينة بمكان العملية التي استهدفت العرابيد”.
** ملحوظة: بعض هذه التفاصيل يتقاطع مع تحقيق حصري لصحيفة ‘الشرق الأوسط’، أوضح أن التخطيط للعملية بدأ قبل شهرين كاملين، وأن ضباطًا من جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” انتحلوا هوية مؤسسة دولية إغاثية، ونفذوا مشروع “بسطات” لبيع الخضار والمشروبات في شارع الفلل بحي الكتيبة، بهدف زرع عناصر ميدانية وجمع معلومات دقيقة عن تحركات العرابيد.
وفي باقي تفاصيل الرواية الإسرائيلية، أن المصادر “الفلسطينية المطلعة” ذكرت أن عناصر من كتائب القسام هي التي “وثّقت عملية الاختطاف بالتصوير الذي بُثت بعض لقطاته عبر وسائل إعلام منها قناة الجزيرة”، اعتقادًا منهم بأن الهجوم ينفذه جهاز الأمن الداخلي لاعتقال عناصر من الميليشيات المسلحة المتعاونة مع إسرائيل.
وفي ختام تقرير القناة العبرية، تستشهد بالمصادر ذاتها في التأكيد على أن حماس ما زالت في “حالة صدمة” بسبب الخرق الأمني غير المسبوق، وأنها لم تتوقف عن التحقيق مع العناصر الأمنية التي كانت مكلفة بالتدقيق في هويات منفذي العملية أثناء توقيفهم في نقاط التفتيش داخل غزة.
الرواية الفلسطينية، كما نقلتها وزارة الداخلية في غزة، تؤكد أن العرابيد -الذي وصفته بأنه “ضابط” في جهاز الأمن الداخلي- كان يؤدي مهامه المعتادة في حفظ الأمن والسلم الأهلي عندما اشتبك مع القوة المهاجمة، وأُصيب في قدمه، واستشهدت زوجته “أم محمد” (سماح الخالدي) برصاصة في الرأس من المسافة صفر، وأصيب أبناؤه بجروح خطيرة، بينهم من فقد عيناً.
أما الرواية الإسرائيلية الرسمية، ورغم تنوع مصادرها بين مكتب النتنياهو والجيش والأمن العام (الشاباك)، فقد جاءت مختصرة ومفادها أن العملية “النوعية” نفذتها قوات خاصة تابعة للشاباك، وأسفرت عن اعتقال “رئيس جهاز الأمن الداخلي لحماس”، المتهم بالمسؤولية عن “إخفاء الرهائن وإيواء قادة حماس”، فضلا عن جهوده لاستعادة قدرات الحركة في شمال القطاع.
بينما تداول الإعلام العبري رواية “غير رسمية من مصادر أمنية”، كان أبرزها تقارير منشورة في صحف ‘يديعوت أحرونوت’ و’هآرتس’ و’تايمز أوف إسرائيل’، تزعم أن الشاباك تتبع معين العرابيد أسابيع طويلة، ودرس روتينه اليومي، واستخدم مركبات مدنية مموهة بينها شاحنة خضروات، وعمل في المنطقة يومين على الأقل قبل الاقتحام. وبحسب المعلق ‘عاموس هارئيل’، فإن إسرائيل كانت تخطط لاغتياله ثم قررت اعتقاله حياً لأنه كان يرأس مجموعة متخصصة في كشف العملاء، مما يجعله “كنزاً استخباراتياً”.
وهكذا تتوالي الروايات التي قد يضيء كل منها على ركن من المشهد، لكن يبقى الغموض محيطًا بالتفاصيل، ويبقى الشك قائمًا في “نوايا” الرواة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى