
في خطوة استباقية لمنع حدوث اي تقارب امني او دفاعي مشترك بين دول الخليج ومصر بسبب ما افرزته حرب امريكا الاخيرة علي ايران من نتائج وتداعيات كان ابرزها الهشاشة المتناهية للحماية العسكرية الامريكية لهذه الدول الخليجية مما ترك اجواءها مفتوحة امام الهجوم المستمر عليها بالمسيرات والصواريخ الباليستية الايرانية وغيرها، الخ.. اقول انه ولاحباط هذا التقارب الامني الخليجي المصري المحتمل ، سارع الرئيس الامريكي ترامب الي دعوة قادة هذه الدول الخليجية للالتقاء به خلال الايام القليلة القادمة في نيويورك للتباحث معهم حول ما سوف تكون عليه العلاقات الامريكية الخليجية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الايرانية والتي يزدد طول الوقت ان نهايتها باتت وشيكة للغاية..وانها تمر حاليا بمنعطف خطير وغير مسبوق.. او هذا هو ما يحاول تسويقه اعلاميا حتي وان لم تكن هناك شواهد داعمة لمزاعمه.. لكن هذه هي طريقنه في التمهيد لما يجري التخطيط له في اروقة البيت الابيض.
ولهذا اللقاء الامريكي الخليجي المزمع عقده علي مستوي القمة في نيويورك في رايي. اهداف استراتيجية عديدة بالغة الاهمية بالنسبة لامريكا ولحلفائها الصهاينة في تل ابيب ممن يجري التنسيق والتشاور معهم طول الوقت.وللاستعانة بما تجمعه اجهزة مخابراتهم من معلومات امنية حيوية مشفوعة بتقييمهم لها. . .. فالابقاء علي منطقة الخليج بثرواتها النفطية والمالية الهائلة وباهميتها الجيوسياسية والاستراتيجية الكبيرة ،تحت الهيمنة الامريكية الكاملة يظل هدفا امريكيا استراتيجيا يسبق في اهميته ما عداه من اهداف.. ومن اجل ذلك سوف تحاول امريكا الحفاظ علي وجودها العسكري فيها وربما بزيادته وتكثيفه، حتي ولو تم ابعاد خطر ايران عن هذه الدول الخليجية تماما اذا ما نجحت امريكا في انهاء هذه الحرب لصالحها.. ومن هنا ،وعلي نحو ما اتصور فسوف يحاول الرئيس ترامب في لقائه مع القادة الخليجيين اقناعهم بان حاجتهم الي حماية امريكا لهم ودفاعها عنهم هي خيار امني وحيد لا بديل له.. وان اي توجه نحو استعانتهم بنظام امني آخر سوف يترتب عليه رفع الحماية العسكرية الامريكية عنهم علي الفور ووقف صفقات الاسلحة الامريكية لهم وسحب قواعدها العسكرية من اراضيهم ،، هذا هو ما سوف يهددهم به ويضغط به عليهم كدول ثرية صغيرة وضعيفة وخياراتها محدودة للغاية في مواجهته كرئيس يعرف كيف يبتزهم وياخذ منهم ما يريده بالترهيب تارة وبالوعود تارة اخري.. ..ولا استبعد ان يطالبهم في الوقت نفسه بتطبيع علاقاتهم مع اسرائيل فور انتهاء الحرب الايرانية بالاعتراف الرسمي غير المقيد باي شروط كحل القضية الفلسطينية او غيرها والدخول في علاقات دبلوماسية كاملة َععها اسوة بما فعلته الامارات والبحرين منذ ست سنوات. تحت مظلة السلام الابراهيمي الذي كان من اختراع ادارة ترامب خلال فترة ولايته الاولي.. وحانت الفرصة الآن لمعاودة طرحه من جديد..وان كان في ظروف اسوأ بكثير مما.كان عليه الحال وقتها…سَوف يحاول ترامب الضرب هذه المرة علي الحديد وهو ساخن.. بالتاكيد لهم ان عدوهم الحقيقي هو ايران وليس اسرائيل.. وانه حان الوقت لتغيير توجهاتهم ازاءها.. وانها يمكن ان تكون شريكا يمكنهم الوثوق فيه والاعتماد عليه لحماية امنهم معها.. هذا امر وارد ومتوقع لدفعهم الي تغيير خططهم واولوياتهم..وقبول ما سوف يقترحه عليهم….. .
ومن ناحية اخري، لا يخالجني شك في ان امريكا وخلافا لما تتظاهر به امامنا من قبيل الخداع والنفاق الذي درجت عليه في سياساتها ومواقفها معنا سوف، تحاول احتواء دور مصر وتحجيمه علي قدر ما تستطيع ، لانه الدور الذي يمكن ان يكون حاضرا وفاعلا ومؤثرا عربيا واقليميا الي حد كبير لامتلاكها كافة مقوماته وادواته ولانها دولة قوية ومستقرة ومن الصعب اختراقها واثارة الفوضي فيها كغيرها من دول المنطقة التي اخترفوها ودمروها. .. ولهذا سوف تحاول امريكا عرقلة تحركاتها بما سوف تزرعه في طريقها من صعاب ومعوقات، وطريقها الي ذلك هو محاولة اشغالها بالاخطار والتحديات الامنية التي تواجهها وتضغط عليها من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.. وهي امور لا يمكن ان تخفي علي مصر وان حاولت التعامل معها بمنتهي الحرص والكياسة والحذر.. حتي لا تزيد الاوضاع تازما.. وحتي تبقي علي الطابع الودي لهذه العلاقات. التي تضعها في مكان خاص..وهذا هو كل ما بامكانها ان تفعله في مثل ظروفها.وحيث تقف لتواجه هذا كله وحدها..
وهذا هو ما يدعوني الي القول بان لاصابع امريكا واسرائيل دور كبير وخطير في كل ما يحدث من صراعات وازمات وتوترات تلقي بظلالها الكثيفة والكئيبة علي مصر وعلي امنها القومي وبصورة بالغة الخطورة.. ومثال ذلك هو ما حدث اخيرا باقدام امريكا علي اقامة شراكة امنية ودفاعية استراتيجية كاملة ومناورات عسكرية مشتركة مع اثيوبيا في خطوة مفاجئة وغير متوقعة منها،، خطوة سوف يكون لها انعكاساتها وتاثيراتها الامنية السلبية علي ادارة مصر لنزاعها المستحكم مع اثيوبيا حول مشكلة سد النهضة وحقوقها المشروعة في مياه نهر النيل.. وليس ثمة ما يدعونا الي الاستغراق هنا في مزيد من التفاصيل.حول دور امريكا التآمري علي مصر في قضية حياة او موت بالنسبة لها كقضية سد النهضة الاثيوبي.. هذا اذا لم نتحدث عن غزة والسودان وليبيا واليمن وغيرها من مناطق التوتر والصراع التي لا يمكن لمصر ان تبقي بمنأي عنها حتي وان ارادت ذلك..ناهيك عن التاثيرات السلبية المحتملة لاغلاق مضيق باب المندب علي حركة الملاحة الدولية في قناة السويس.. فهذه كلها اخطار ونحديات تتكاثر وتتفاقم وتزيد الامور تعقيدا فوق ما هي عليه..وحيث اصبح علي مصر ان تتحرك في كل هذه الدوائر الامنية الساخنة بالتزامن وفي نفس الوقت..وهو ما يتطلب منها جهودا شاقة ومضنية.دفاعا. عن امنها القومي المستهدف حتي من قبل من يتظاهرون بانهم اصدقاؤها…..
ومن هنا وكما اتصور، فان لقاء الرئيس ترامب مع القادة الخليجيين هو لوضع خط فاصل امامهم لابعادهم عن الدخول في علاقات تعاون امني مشترك مع مصر.. حتي يظل اعتماد تلك الدول الخليجية علي امريكا كاملا ودائما.وهي الحماية الاعلي مردودا ماديا في العالم. بما يدفعه الخليجيون فيها.. . وعموما سوف نري ما سيحدث بعد ان يعودوا من نيويورك.. حتي وان لم يصارحونا بكل ما سمعوه منه او هددهم به…وهو يقف الآن في مفترق طرق..وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس باتت علي الابواب… .