حسام السيسي يكتب :هل تتكرر النهايات؟ من أوكرانيا إلى إيران… قراءة في وهم سقوط القوى العظمى

عيد فطر مبارك على الأمة الإسلامية في طهران وبيروت وغزة والضفة الغربية والخرطوم، وفي سائر العواصم العربية والإسلامية، وعلى المسلمين في أنحاء المعمورة.
وصلني عبر صديق مقطع منسوب إلى John Mearsheimer يتحدث فيه عن “نهاية” الولايات المتحدة كقوة عظمى على يد #إيران.
قد يكون المقطع مجتزأ أو مؤولًا، لكن ما استوقفني لم يكن مضمونه بقدر ما أثاره من سؤال قديم يتجدد بصيغة أكثر إلحاحًا:
هل نحن فعلًا أمام نمط جديد من “سقوط القوى الكبرى”؟
يبدو التشبيه مغريًا:
ما جرى مع روسيا في حرب #أوكرانيا، هل يمكن أن يتكرر مع الولايات المتحدة في مواجهة إيران؟
وهل الحروب غير المتكافئة أصبحت قادرة على كسر القوى العظمى؟
السؤال في ظاهره منطقي، لكنه في عمقه يقوم على فرضية مضللة:
أن ما حدث مع روسيا كان “نهاية قوة عظمى”.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
ما جرى في أوكرانيا لم يُنهِ #روسيا، بل كشف حدود قوتها. أظهر أن القوة الصلبة لا تعني الحسم السريع، وأن الجيوش الكبرى يمكن استنزافها حين تدخل حربًا مفتوحة، مدعومة دوليًا، وطويلة النفس. روسيا لم تسقط، لكنها خرجت بصورة مختلفة: أقل هيبة، أكثر حذرًا، وأكثر إدراكًا لقيودها.
لكن إسقاط هذا النموذج على الولايات المتحدة يفتقد للدقة.
الفرق هنا ليس في “مستوى القوة” فقط، بل في طبيعة النظام الذي تمثله كل دولة.
روسيا قوة عظمى، لكنها تعمل ضمن نطاق اقتصادي وتحالفي محدود نسبيًا.
أما الولايات المتحدة فهي بنية نظام عالمي:
تحالفات ممتدة، هيمنة مالية، تفوق تكنولوجي، وانتشار عسكري عابر للقارات.
لهذا، لا يمكن الحديث ببساطة عن “نهاية أمريكا” بنفس الطريقة التي يُتصور بها تراجع روسيا.
ثم يأتي دور إيران، وهنا يكمن مفتاح الفهم الحقيقي.
إيران لا تخوض صراعًا بهدف “إسقاط الولايات المتحدة”،
بل تعمل ضمن استراتيجية مختلفة تمامًا:
رفع الكلفة، كسر الاحتكار، وفرض معادلة ردع.
بمعنى آخر، هي لا تسعى إلى هدم النظام، بل إلى إجباره على التكيف.
وهنا نقطة يجب التنويه إليها بوضوح:
ما أقوله لا ينطلق من تمنيات أو انحيازات، بل من مؤشرات موضوعية على الأرض—عسكرية، وسياسية، وتكنولوجية—ومن قراءة في طبيعة النظم العقائدية وقدرتها على الصمود طويل النفس، كما رأينا بدرجة مختلفة في أوكرانيا ضمن مسارها التعبوي والديمقراطي المدعوم خارجيًا.
في هذا السياق، يبدو أن كسر إيران بالكامل—سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل—ليس سيناريو بسيطًا أو وشيكًا كما يُطرح أحيانًا.
ليس لأن إيران “أقوى” بالضرورة، بل لأن تكلفة كسرها أعلى من قدرة أي طرف على تحمّلها دون إعادة تشكيل أوسع للصراع نفسه.
أما إسرائيل، فهي عنصر محوري في هذا المشهد، لكن موقعها ووظيفتها داخل هذه المعادلة يستحقان قراءة مستقلة ومفصلة، وهو ما سأخصص له مساحة منفصلة لاحقًا، لأن اختزاله هنا يظلم تعقيد الدور الذي تلعبه داخل البنية الأوسع للصراع.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم:
ما نراه اليوم ليس تكرارًا لنهايات،
بل تحولًا في قواعد اللعبة.
لم تعد الحروب تُحسم بضربة قاضية،
ولا تسقط القوى الكبرى في معركة واحدة،
بل تدخل في مسارات طويلة من الاستنزاف، وإعادة التموضع، وإعادة تعريف الدور.
ولهذا، فإن الحديث عن “سقوط روسيا” أو “انتهاء أمريكا” قد يكون تعبيرًا عن رغبة، أكثر منه توصيفًا دقيقًا للواقع.
العالم لا يشهد نهاية قوى عظمى،
بل يشهد شيئًا أكثر تعقيدًا:
انتقالًا بطيئًا من هيمنة مطلقة إلى توازنات مرنة.
في هذا العالم الجديد، لا يسقط الكبار بسهولة،
لكنهم أيضًا لا يملكون حرية الحركة كما في السابق.
ويبقى السؤال لم يعد: من سيسقط؟
بل: من يستطيع التكيف مع القواعد الجديدة… ومن سيتأخر عنها؟