
في الديمقراطيات، لا تُخفى الحروب… بل تُعرض.
هذا ما بدا واضحًا في جلسة اليوم داخل الكونغرس الأمريكي، حين جلس وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين تحت استجواب علني حاد، بدا أحيانًا أقرب إلى محاكمة سياسية على الهواء.
أسئلة مباشرة عن حرب مع إيران: لماذا بدأت دون تفويض واضح؟ ما هدفها؟ لماذا تكلفتها مفتوحة؟ اتهامات بسقوط مدنيين واستنزاف الموارد، يقابلها رد دفاعي يتحول سريعًا إلى هجوم: المعارضون “انهزاميون”، والحرب “ضرورة”.
المشهد لم يكن بحثًا هادئًا عن الحقيقة، بل صراع روايات كامل؛ كل طرف لا يخاطب خصمه بقدر ما يخاطب جمهوره.
لكن ما حدث لم يكن مجرد مساءلة.
كان إعادة تمثيل للحرب نفسها… بلغة سياسية.
هنا، تتحول المساءلة من أداة لكشف الحقيقة إلى أداة لإعادة تشكيلها. السؤال لا يُطرح فقط لكشف الخطأ، بل لصياغته بطريقة قابلة للبث، والإجابة لا تُقدَّم فقط كدفاع، بل كمحاولة للسيطرة على العنوان القادم. الحقيقة لا تُكتشف داخل القاعة بقدر ما تُعاد كتابتها تحت ضغط الكاميرات.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “الغسل السياسي”.
الجلسة كانت قوية، حادة، مليئة بالاتهامات، لكن هل غيّرت مسار الحرب؟ لا. ما حدث هو شيء آخر: تفريغ الغضب داخل النظام بدلًا من توجيهه خارجه. المواطن يرى مسؤولًا يُهاجَم، يسمع لغة قاسية، يشعر أن هناك ثمنًا يُدفع… بينما في الواقع، تستمر السياسات كما هي، وتبقى الاستراتيجيات، ولا تتوقف الحروب. إنها ليست محاسبة كاملة، بل تنفيس منظم.
لكن هذه ليست القصة كلها.
لأن هذا النموذج يحمل مفارقة لا يمكن تجاهلها:
نعم، هو أفضل من الصمت. أن يُستدعى وزير دفاع ويُسأل علنًا أفضل من نظام لا يُسأل فيه أحد.
لكن في الوقت نفسه، يمكن أن يكون هذا الشكل من المساءلة هو أكثر أشكال السيطرة تطورًا. نظام يسمح بالهجوم عليه، يستوعب الغضب داخله، ثم يخرج دون أن يتغير جوهريًا. بمعنى أدق: الديمقراطية هنا لا تمنع الخطأ، بل تديره بكفاءة.
والأخطر، أن السؤال الأكثر إزعاجًا لا يُطرح أصلًا:
ماذا لو لم تكن المشكلة في كيفية إدارة الحرب… بل في فكرة الحرب نفسها؟
هذا السؤال لا يناسب العرض.
لا يمكن احتواؤه بسهولة داخل جلسة استماع، لأنه يهدد الإطار كله، لا تفاصيله فقط.
وهنا تتقاطع الصورة مع نماذج أخرى، أقرب إلينا مما نتصور.
في بعض الأنظمة، لا يوجد عرض من الأساس؛ تُدار الأمور في صمت، ويُصنع خطاب جاهز لا يسمح بالاختراق. أما هنا، فالعرض موجود، الصدام موجود، النقد مسموح… لكن داخل حدود مدروسة. الفارق ليس بين وجود الحقيقة وغيابها، بل بين من يملك إعادة صياغتها.
ما حدث اليوم داخل الكونغرس الأمريكي ليس دليلًا بسيطًا على قوة الديمقراطية، ولا دليلًا بسيطًا على زيفها. بل هو نموذج معقد لنظام قادر على تحويل أخطر أفعاله إلى نقاش علني، دون أن يفقد السيطرة عليها.
لهذا، حين نقول: “تحيا الديمقراطية الأمريكية”…
يبقى السؤال الحقيقي:
هل نحيّي قدرتها على المحاسبة؟
أم قدرتها على احتواء المحاسبة نفسها؟