رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :تحولات الطريدة الهاربة

منذ القرن الماضي وحتى اليوم والعراقي في وضع طوارئ كطريدة هاربة، وحالة الطوارئ والاستنفار تلغي التفكير المنطقي وتبحث عن النجاة ويصبح البحث عن مخرج طوارئ هو الحل وليس المستقبل لأن الزمن يصبح” الآن” وعبور هذه اللحظة الخطرة. التفكير المنطقي يحتاج الى زمن هادئ في حين النجاة تحتاج الى السرعة ورد الفعل الفوري.
الانسان الطريدة في دوامة ومتاهة طويلة وحالة تعقب ومطاردة لا يحتاج الى الحرية بل الى ” الأمان” والاستقرار وتتطور لديه قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات الطارئة ـــــــــــــــــــ تسمى خطأ: شجاعة والمتكيف مع وضع مريض هو مريض لأنه يستعمل معاييره ــــــــــ لأن نظام التشغيل الآلي للصدمات يعمل طوال الوقت كالصيدليات الخافرة ويخاف حتى من لحظات الفرح ويتمنى أن تمر على خير لأنه يتوقع حدثاً ما في أية لحظة لذلك تتسم قراراته بالغضب والانفعال والسرعة في مواجهة أحداث غير متوقعة أو متوقعة.
التفكير ترف وخطر والمطلوب عبور اللحظة مما يؤدي الى استنزاف طاقته على التفكير المنطقي الهادئ والعقلاني والاقتصار على ردود الفعل لا الفعل والمبادرة والعمل الخلاق.
من خلال كوارث ومتاهة وويلات تم خلق وصنع ” المواطن المستقر” أو ” المواطن العاقل” من خلال مسلسل طويل من المطاردة والرعب والنهب ، والمواطن المستقر المتكيف مع الاستبداد العام والفردي هو مريض لأنه يعمل ويفكر ويحلم ويتكلم بشخصية طارئة عليه عكس حقيقته، ويتلبس كمعطف شخصية لم يكن جاهزاً لها ويخرب ذاته على مراحل من خلال معاناة صامتة طويلة.
المواطن “المستقر” كالابقار تسرح مطمئنة في حقل قرب جدران المسلخ لان الرتابة تخلق الشعور الزائف بالامان والأمان الزائف أخطر من اليأس المحرض على البحث عن مخرج.
تاريخ الصيد حكاية يرويها صياد ولم نسمع يوما رواية الطريدة، لكن لنحاول الآن أن نسمع حكايتها. المواطن المستقر، في الحقيقة المتبلد والمستسلم والعاجز ، لم يعد يحتج على الظلم ولا يريد العدالة بل كل ما يريده الغفران عن ذنوب التاريخ الوهمية وهي أفضل طريقة للسيطرة على شعب بجعله يشعر بالاثم عن ذنوب وأخطاء التاريخ لكي يحصل على الغفران لا العدالة ، ولا يحتاج الحرية بل النجاة مثل أية طريدة هاربة من القتل.
هو بارع في مناقشة الأحداث اليومية الطارئة لكنه عاجز عجزاً معرفياً عن مناقشة الأسباب البعيدة والقوانين المحركة لها وتسلسل وسياق الاحداث ويتعامل مع كل حدث جديد كأنه الأول والأخير بلا سبب ولا نتيجة ولا منطق لأن ذاكرته ذاكرة لحظات منفصلة وليست ذاكرة تاريخ مستمر بلا قطيعة.
يقول المفكر الفرنسي إتييان دو لا بواسييه في كتابه ”العبودية الطوعية”:
«عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن ان نسميه المواطن المستقر».
يقول لا بويسي:( هناك ثلاثة أنواع من الطغاة، فالبعض الأول يسود عبر انتخاب من الشعب، والبعض الآخر بقوة السلاح، أما البعض الأخير فبالتوالي الوراثي.
أما الذين اغتصبوا السلطة بقوة السلاح فيتصرفون بها كأنهم في بلاد قاموا بغزوها.
وأما الذين ولدوا ملوكا فليسوا على العموم أفضل مطلقا، فالذين ولدوا وترعرعوا في حضن الطغيان، يرضعون الطغيان طبيعيا مع الحليب).
عندما يتداخل الطغيان العام والتسلط الفردي مع تقاليد وقيم وقواعد وقوانين، تصبح ممارسته من الأخلاق والآداب والطاعة وحسن السلوك، والتمرد عليه نوعا من الجريمة او الانحراف او العدوان والخ من منظومات العقاب .
عملية تحويل العراقي الى طريدة ومسخه في رعب وتوقع وقلق مستمر،
وهاجس النجاة ، وجعله يركض النهار والليل لكي يتخلص من حقول الالغام،
وحقول السياسة، والفخاخ، والعبوات، والسيارات المفخخة، والانتحاريين،
والتلوث ونقص الخدمات والماء الصالح للشرب،
والهواء الصالح للتنفس، والمنزل الصالح للسكن،
والسيارة الصالحة للنقل، ومن نتائج الانتخابات، يتصور ان مجده الكبير ونصره العظيم هو النجاة من فخ أو مصيبة أو مشكلة وشيكة.
هذه العملية ليست عفوية أبدا، بل هو مخطط تحويل العراقي الى طريدة هاربة وحشره في خانة الحاجات والغرائز والوصول به إلى حالة اليأس التام،
ودفنه داخل جلده وتخفيض أحلامه.
هو الاسلوب الوحشي مع شعوب عربية أخرى: التخريب البطيء، التدرج في الدمار والتفسخ الهادئ، لان الانهيار السريع يبقي على قيم اخلاقية، ادارة الأزمات وليس حلها،
نقل المعارك من مكان الى آخر، لكي يصل الفرد والشعب درجة الانهاك التام واليأس العاجز، وعندها يبدأ تنفيذ الجريمة الأكبر:
توزيع الأرض على قبائل وأعراق ودكاكين، وتوزيع الثروة على شركات وأحزاب ودول.
الوطنية واليأس أمران متناقضان، النملة تعتز بثقب الأرض على قول شاعر،
وأي طائر أو حيوان يدافع عن عشه وأرضه دون أن يقرأ كتاباً في الوطنية ولم يسمع أغنية وطنية.
تم ضرب محطات كهرباء بعد سقوط النظام واعادة العراقي الى مرحلة الكهوف والرحم من اجل بناء هوية وذاكرة جديدة من البياض كما تقول الباحثة نعومي كلاين في كتابها المرجعي: ” عقيدة الصدمة: رأسمالية الكوارث”
الغرض من قطع الهواتف ـ مع الظلام والقصف ـ تقول كلاين هو حشر العراقي في وضع الرعب البدائي الاول حيث تنعدم المعرفة تماما بالمحيط،
وتنشط الهواجس والخيال، وفي هذه الحالة ، تقول الباحثة، يتم افراغ الانسان من هويته الاصلية تحت الرعب ــــــــ حالة بياض الذاكرة ـ ثم فرض هوية جديدة بالقوة.
نحن أمام مخلوق هارب ومطارد وملاحق ومشغول بفكرة النجاة والانقاذ والطعام والنوم الآمن وليس العادل.
الانشغال بفكرة النجاة كل يوم يعني الغاء العقل والنظام والامل والمستقبل،
يعني خلق الذئب والأخطر من كل هذا المخطط هو وقت املاء الشروط على الكائنات المنهكة وحشر الناس بين خيارات أحلاها أكثرها مرارة:
رفع راية اليأس والتسليم بالأمر الواقع والصمت وتسليم السلطة والثروة والاكتفاء بالفرح بالنجاة وقضاء الوقت في التفكير في الاشياء العابرة وتجاوزها.
أو خلق الأزمات لكي يضيع في دوامة البحث عن الحاجات. لا خيار اخر أمام اليائس غير الاستسلام وهو الهدف المركزي، لأن العالق في دوامة ومتاهة وخوف طويل لا يرى البندقية في يده أو السيجارة بين اصابعه،
أو الحقيقة المشعة امامه عندما يُداهم كجنود مداهمين يبحثون عن البنادق المعلقة على أكتافهم أو بين أرجلهم.
الرعب يلغي الحرية والعدالة ، واليأس يلغي طاقة المقاومة وتتحقق الهزيمة النفسية والغريق يبحث عن منقذ بصرف النظر عن اخلاق المنقذ لان الأمل في الانقاذ فحسب ولو من قبل قرصان أو دولفين أو سفاح أو قديس.
نحن أمام صياغة جديدة لمسلسل الهارب الأمريكي The Fugitive الذي عرض بالابيض والاسود من تلفزيون بغداد عن الدكتور ريتشارد كيمبل الانسان الطيب المتهم ظلماً بجريمة والمطارد من الشرطة في كل مكان يدخله .
تحت الخوف والتوقع والهاجس والانتظار يتم الغاء الانسان بكلام أدق، وجعله يفرح بين وقت واخر لأنه فلت ونجا من هذا الانفجار أو تلك المشكلة ليس إلاّ، ويروي ، ضاحكا ـ ضاحكا؟ ـ تفاصيل النجاة وهي لا تختلف عن تفاصيل حيوان هرب من مطاردة قاتلة.
لكن ماذا بعد ” مرحلة الطريدة” والياس الأسود؟ بعدها سيتم توزيع الاسلاب بصورة مختلفة عن السابق لأن سيكولوجيا المواطن المستقر ليست الوطن والحرية والعدالة بل المرعى والامن والطعام.
الطريدة اليائسة لن تحتج على الظلم بل تخاف الغموض والمجهول، سعيدة بالنجاة لا بالحرية. عندما يعيش الانسان سنوات طويلة تحت تهديد وجودي مستمر تتغير نظرته ومعاييره ويحدث فيه انحرافاً وجودياً مشوهاً في نظرته لنفسه وللحياة وهناك اشياء كثيرة تحطمت فيه لا يمكن اصلاحها.
كمثال السعادة لديه ليست في امتلاك الحرية بل تجاوز الخطر بل حتى لو حصل يوما على حرية بالمعنى الواسع وهو في حالة حطام وانقاض تكون الحرية المتأخرة كحفلة عيد ميلاد لمحتضر لأن الحرية تتطلب فرداً مكتمل الصحة وهذا ما عشناه مع اللاجئين في دول الملجأ الديمقراطية وفي ظروف شبه مثالية الذين ظلت جروحهم مفتوحة وتنزف حتى في أمكنة آمنة وهادئة وعادلة.
عندما يتعرض الانسان الى اذلال طويل لا يستطيع العودة الى ما قبل مرحلة الاذلال لأن القضية ليست ارادة بل مسارات عصبية طويلة في العقل وتشوهات بنيوية عميقة وانكسارات وخسارات لا تعوض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى