
في عتمة الزقاق الضيق المؤدي إلى أسوار غرناطة الحزينة، كان الشيخ أبو جعفر يطوي بين جوانحه تاريخاً كاملاً يوشك أن يندثر. سارت الخطى ثقيلة فوق الحجارة الباردة، وكأن الأرض نفسها كانت تتشبث بأقدام المغادرين، تبكي رحيلاً مرّاً فرّق شمل الساكنين.
كانت السحب الرمادية تخيم على سماء المدينة، تحجب خيوط الشمس الأخيرة وكأنها تعلن حداداً سرمدياً على مجدٍ آفل. التفت أبو جعفر وراءه التفاتة المودع، ينظر إلى قصر الحمراء الرابض فوق الهضبة كتاجٍ من عقيق فقد بريقه. كانت النوافذ المطفأة تبدو كأعينٍ شاخصة غادرها البصر، والرياح التي تهب من جهة جبال البشرات تحمل في طياتها عويل الأمهات ونحيب الذكريات.
توقف الشيخ هنيئة، وأخرج من بين طيات ردائه دفتراً عتيقاً، دفتراً شهد غمس ريشته في محابر الفخر يوم كانت الأندلس حديقة الدنيا. تلمس أوراقه الصفراء، فترأت له ظلال الراحلين؛ رأى طيف أبيه وهو يعلمه أبجدية العز تحت ظلال الياسمين، ولمح خيال أجداده الذين شادوا من الحجر قصائد تروي للزمن قصة حضارة أحبت الجمال واستوطنت القلوب.
قال في نفسه بصوت مخنوق بالعبارات:
لسنا نترك حجارةً وقصوراً يا غرناطة، بل نترك في ممراتك أرواحنا. كل زاوية هنا تحفظ ضحكة طفل، ونبضة قلب، وسجدة عابد في جوف الليل. نحن راحلون، لكن ظلالنا ستبقى تحرس المآذن والدروب، وتهمس للعابرين بأننا كنا هنا يوماً، وكنا ملوك الزمان.
تساقطت قطرات المطر الأولى، فامتزجت بدموعه الساخنة على غلاف الدفتر. التفت يمنة ويسرة، فرأى قوافل المهاجرين تسير في صمت كجنائز حية، يحملون مفاتيح بيوتهم في أيديهم، ويخبئون غصاتهم في صدورهم. لم يكن يملك سوى قلمه، فخط في الصفحة الأخيرة من الدفتر قبل أن يغلقه إلى الأبد:
-يمشي الأنام وتنمحي آثارهم… وتظل في عمق المكان ظلالُ-
-غرناطةٌ تبكي الذين تفرقوا… فالدمع بحرٌ والرحيل عِظالُ-
تابع أبو جعفر خطاه نحو المجهول، تاركاً وراءه وطناً للأنداء، ومستقبلاً يلفه الضباب. ومع كل خطوة يبتعد فيها، كان يشعر أن روحه تنبسط فوق المدينة كظلٍ ممتد لا يزول، ظلٍ يحكي للأجيال القادمة أن الراحلين وإن غابوا بأجسادهم، فإن ظلال حكاياتهم ستبقى حية، تقاوم الفناء وتتحدى النسيان.