
لا يختلف اثنان على أن الإعلام الرياضي تحول من “سلطة رابعة” إلى “سوق عشوائية”. لم تعد المشكلة في قلة الكفاءات، بل في كثرة الدخلاء. فصارت العبارة القاسية “مهنة من ليس له مهنة” وصفاً دقيقاً لحال مهنة كانت يوماً منارة للوعي، وأمست اليوم منبراً للفوضى.
1. شهادة خبرة اسمها “فان آيدي
أي مهنة في الدنيا لها بوابة دخول: نقابة، رخصة، اختبار كفاءة. إلا الإعلام الرياضي. هنا بوابة الدخول الوحيدة هي “ميولك الكروية” وعدد متابعيك. تخرج من كلية الطب؟ لا يهم. تخرج من كلية الإعلام؟ لا يهم أيضاً. المهم أن تصرخ باسم نادٍ، وتلبس شاله، وتطلق على نفسك لقب “ناقد”. هكذا صعد إلى الشاشة من لم يقرأ سطراً واحداً في أصول الصحافة، ومن لا يفرق بين “الخطة 4-3-3” وبين رقم قميص لاعب.
2 تجارة الغضب… والمكسب مضمون
لماذا ينجح الدخيل ويفشل المحترف؟ لأن المعادلة انقلبت. لم يعد المطلوب نقل الحقيقة، بل صناعة الضجيج. خبر مؤكد بهدوء يساوي صفر مشاهدات. أما شائعة “رحيل المدرب غداً” أو “فضيحة تحكيمية” فتساوي ملايين. فاختار “إعلاميو الصدفة” الطريق الأسهل: إشعال الفتنة بدل إنارتها، وخطاب الكراهية بدل التحليل. النتيجة؟ جمهور غاضب دائماً، عاجز عن رؤية اللعبة إلا من ثقب ضيق اسمه “المؤامرة”.
3 من يدفع الثمن؟
يدفع الثمن ثلاثة: أولهم اللعبة نفسها، التي اختزلت من فن وتكتيك إلى معركة “أهلي وزمالك” على تويتر. وثانيهم الصحفي المجتهد، الذي دفن صوته تحت أكوام “اللايفات” التي لا تقدم سوى الثرثرة. وثالثهم أنت، المشاهد. تدفع من وقتك وعقلك ثمن وجبة إعلامية فاسدة، لا تشبعك معرفة بل تسممك تعصباً.
4 الحل: إغلاق الباب العشوائي
لن نجمل الحقيقة. الحل ليس “دورات تدريبية” ولا “مواثيق شرف” تُعلق على الجدران. الحل يبدأ بإغلاق الباب. لا ظهور على شاشة بلا مؤهل أو خبرة موثقة. لا منصة رسمية لمن يروج الشائعات. محاسبة قانونية لكل من يحوّل الاستوديو إلى حلبة مصارعة. الإعلام الرياضي ليس ترفاً، هو جزء من صناعة بمليارات الجنيهات. ومن غير المعقول أن تُدار هذه الصناعة بمنطق “المقهى”.
وفي النهاية
كرة القدم تستحق إعلاماً محترفاً، لا “هواةً” يتاجرون بانتمائك. فإما أن نستعيد المهنة من براثن العشوائية، وإما أن نعترف بمرارة أننا أمام جيل كامل تربى على أن “الصوت الأعلى” هو “الرأي الأصح”. ووقتها… لا تلوم إلا من فتح الباب لكل من هبّ ودبّ.