
التعامل مع الناس (الحلقة ١٣): اختيار الكلمة
الكلمة أمانة ومسؤولية عظيمة، وهي ليست مجردَ أصواتٍ تتلاشى في الهواء، إنها أجنحةٌ نعبرُ بها إلى جزرِ القلوب؛ بها ننسجُ خيوطَ الألفة، أو نمزقُ بها أستارَ المودة.
فكلمةٌ حانيةٌ واحدة قد تُعيدُ الحياةَ لقلبٍ أضناه اليأس، وكلمةٌ فظةٌ قد تتركُ جرحاً غائراً يعجزُ الزمنُ عن تطبيبه. واختيارُ اللفظِ مرآةٌ لنقاءِ الوعي واكتمالِ النضج؛ إذ ليس كلُّ ما يُعلمُ يُقال، وليس كلُّ ما حَضرَ في الذهنِ يُباح.
الإنسانُ الحكيمُ يراقبُ مخارجَ حروفِه كمن يقطفُ الثمارَ الدانية، ينتقي كلماتِه لتكونَ نسمةً لطيفةً لا عاصفةً موجعة، وصدقاً يداوي لا سيفاً يقطع، وأثراً يفوحُ عِطراً لا ذنبًا يورثُ الندم.
إن الكلمةَ الطيبةَ غرسٌ مباركٌ وصدقة، تُقرّبُ المسافاتِ بين الأرواح، وتزرعُ الياسمينَ في طرقاتِ التعامل، وتظللُ الناسَ برداءِ السلام. فاجعلْ من حديثِك قنديلاً يُضيء، ولا تجعلْ منه لهباً يُؤذي، واعلمْ أن الكلمةَ إذا تحررت من قيدِ لسانِك: إما أن تحلقَ بك عالياً أو تهوي بك في ثقلِ الملامة.
وأعظم وأجلّ كلمة هي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ).قال الله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق، الآية: 18].وقال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يصمت).
وقيل عن الإمام علي رضي الله عنه: (تكلموا تعرفوا؛ فإن المرء مخبوء تحت لسانه). وقيل: (إن الكلمة ليست سهماً، لكنها تخرق القلوب).