رؤي ومقالات

عمرو صابح يكتب:لو كانوا يبكون مصر، لبكوا على ألفي عام من الاحتلال

منذ سقوط الأسرة المصرية الثلاثين عام 343 قبل الميلاد، أُغلقت آخر صفحة لدولة مصرية مستقلة في العصور القديمة، لتبدأ واحدة من أطول فترات فقدان السيادة في التاريخ الإنساني، امتدت لنحو 2295 عامًا، تعاقبت خلالها قوى أجنبية على احتلال مصر ونهب ثرواتها واستعباد أهلها: من الفرس إلى الإسكندر الأكبر إلى البطالمة، ثم الرومان، فالعرب، فالمماليك، فالعثمانيين، وصولًا إلى الفرنسيين إلى الأسرة العلوية ثم البريطانيين.
ولم تكن تلك مجرد «فترات حكم»، بل واقعًا طويلًا ومريرا من تبدُّل السادة وتغيُّر الرايات، بينما ظل المصري خارج معادلة السلطة الفعلية.
ثم انتهت هذه السلسلة الثقيلة من التبعية التاريخية في لحظة مفصلية مع ثورة 23 يوليو 1952، التي قادها الزعيم جمال عبد الناصر، وأعادت تعريف فكرة الدولة نفسها: أرض لها قرار، وجيش يعبِّر عن شعبه، وسيادة لا تُستعار من أحد.
ثم جاء يوم 18 يونيو 1956، حين خرج آخر جندي بريطاني من الأراضي المصرية.
وعندما رفع عبد الناصر العلم المصري فوق آخر قاعدة أجنبية في منطقة قناة السويس، لم تكن تلك مجرد مراسم احتفال، بل كانت تحطيمًا علنيًا ومباشرًا لمنطق الهيمنة الذي حكم مصر قرونًا طويلة، وإعلانًا صريحًا بأن زمن الوصاية قد انتهى، وأن القرار المصري عاد إلى أصحابه بعد غياب امتد قرونًا.
ورغم أن عيد الجلاء يمثل لحظة مفصلية في تاريخ التحرر الوطني، فإنه تراجع في الوعي العام منذ سبعينيات القرن العشرين، في مقابل تضخُّم استدعاء هزيمة يونيو 1967 سنويًا، وكأنها الحدث الوحيد الجدير بالذكر في تاريخ مصر المستقلة.
ولا خلاف على أن حرب يونيو شهدت كارثة عسكرية أدت إلى استشهاد الآلاف واحتلال سيناء، لكن الهزيمة لم تُنهِ الدولة؛ إذ استؤنف القتال عبر حرب الاستنزاف، ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 التي أعادت زمام المبادرة إلى مصر، قبل أن يكتمل استرداد سيناء عام 1982.
لكن المفارقة تكمن في أن هزيمة وقعت في ظل دولة مستقلة، فقدت خلالها مصر نحو 6% من أراضيها ثم استعادتها خلال أقل من خمسة عشر عامًا، تحظى بحضور طاغٍ ويتم التركيز عليها، بينما يتراجع حضور تاريخ طويل من الاحتلالات الأجنبية التي امتدت لأكثر من ألفي عام، رغم ما يحمله من ثقل وتأثير أعمق في مسار التاريخ المصري.
ولو كان ندّابو 1967 ومحترفو البكائيات السنوية في ذكراها حريصين فعلًا على كرامة مصر التاريخية، لكان الأولى بهم أن يقيموا المآتم على أكثر من ألفي عام من احتلال مصر كاملة، لا أن يختزلوا تاريخ أمة بأسرها في خسارة معركة لم ينتهِ عندها التاريخ.
فالأمم لا تُقاس فقط بلحظات الانكسار، بل أيضًا بلحظات النهوض والتحرر. وإذا كان من يوم يستحق أن يُستعاد في الذاكرة الوطنية المصرية عامًا بعد عام، فهو يوم الجلاء؛ اليوم الذي وضع حدًّا لتاريخ طويل من الهيمنة الأجنبية، وأعاد مصر، بعد قرون مديدة، إلى المصريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى