
كتب:هاني الكنيسي
لم تكن الصفقات الجانبية والبنود السرية وحدها هي ما شغل متابعي جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة في سويسرا، بل تحولت “لغة الجسد” لى مادة تحليل في الإعلام وحتى في المراكز البحثية. ففي الصور التي التُقطت عقب المحادثات التي جرت في منتجع ‘بورغنشتوك’ (المملوك لصندوق السيادة القطري) المطل على بحيرة ‘لوسيرن’ الخلابة، لفت الخبراء والمحللين تعبيرات وجه ‘محمد قاليباف’ رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين “الصارمة الواثقة”، والابتسامة التي لم تفارق فم وزير الخارجية ‘عباس عراقجي’ عندما كان يتبادل الأحاديث مع أعضاء الوفد الإيراني ومع الوسيطين “المجهديْن”؛ رئيس الوزراء الباكستاني ‘شهباز شريف’، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وفي المقابل، سجّل محللو لغة الجسد أنفسهم علامات “التجهّم” على وجه نائب الرئيس الأمريكي ‘جي دي فانس’ واستفاضوا في وصف نظراته “الحائرة أو المضطربة”، حل حد تعبير أغلبهم.
المفارقة أن العديد من المراقبين رأوا في تلك “الإشارات” انعكاساً لنتيجة سياسية أخذت تتبلور تدريجياً منذ توقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير الماضي ومع انخراط واشنطن في سلسلة مفاوضات “درامية” مع طهران بدأت في إسلام آباد وكانت آخر حلقاتها في سويسرا، وظلت آثارها ملموسة في أسواق الطاقة والاقتصاد مع كل فتح وإغلاق لمضيق هرمز ومع كل إعلان عن تأزم أو انفراج.
قبل أربعة أشهر فقط، كانت التقديرات السائدة في واشنطن وتل أبيب تتحدث عن حرب ستغيّر وجه إيران للأبد، عندما ستقوّض برنامجها النووي وتزلزل أركان نظامها الإسلامي فاتحةً الباب أمام ثورة تغيير من الداخل. لكن مع انقشاع دخان الحرب التي دمّرت العديد من المدن الإيرانية وأتت على الكثير من مرافق بنيتها الحيوية وقتلت أو جرحت آلافا من المدنيين قبل العسكريين والقيادات مثلما دمرت مرافق حيوية في بلدان الخليج المجاورة وأصابت “كرامة” العديد من القواعد الأمريكية في المنطقة وأثارت “ذعر الصافرات” اليومية في إسرائيل، بدأ يتشكل انطباع مختلف: طهران خرجت مثخنة بالجراح، لكنها لم تُهزم، بل ربما نجحت في تحويل خسائرها الميدانية إلى مكاسب سياسية واقتصادية -في المدى القصير وربما البعيد- على حساب “انكسار” أمريكي تحت وطأة أزمات الاقتصاد العالمي والتخاذل الأوروبي في الدعم العسكري وتصاعد الغضب (أو الانقسام) الداخلي، رغم كل ما يردده الزعيم البرتقالي من شعارات جوفاء عن “النصر الكاسح” أو “استسلام إيران”.
هذا الانطباع تعزز أكثر بعد الإعلان عن “الرخصة” الأمريكية الاستثنائية التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية، والتي تسمح لمدة ستين يوماً بإنتاج النفط الإيراني وبيعه ونقله وتفريغه، فضلاً عن تنفيذ جميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما فيها المعاملات المصرفية والتأمين والنقل والشحن وحتى التعامل بالدولار الأمريكي، في خطوة تمثل أكبر تخفيف عملي للعقوبات المفروضة على إيران منذ سنوات طويلة.
الرخصة السارية حتى 21 أغسطس المقبل، جاءت تنفيذاً لمذكرة التفاهم التي وقعها ترمب وبزشكيان عن بعد وأُقرت أمس الإثنين في سويسرا، والتي وضعت خريطة طريق للتفاوض على اتفاق نهائي. وفي المقابل، وافقت طهران على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أراضيها، حسبما أعلن وزير الخزانة الأمريكي ‘سكوت بيسنت’.
لكن الأهمية الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في السماح لإيران ببيع النفط، بل في طبيعة التسهيلات المرافقة له. فالعقوبات الأمريكية طوال السنوات الماضية لم تكن تستهدف قطاع النفط الإيراني فحسب، بل كانت تعزل النظام المالي الإيراني كليًا عن النظام المالي العالمي، وتجبر طهران على اللجوء إلى ترتيبات بالغة التعقيد والكلفة لبيع نفطها، غالباً عبر وسطاء وخصومات كبيرة وعمليات مقايضة أو تسويات بعملات غير الدولار.
أما الآن، فإن الرخصة الجديدة تسمح – ولو مؤقتاً – بإجراء المعاملات المصرفية والتأمينية والنقلية بصورة مباشرة، بل وتسمح أيضاً بتوريد النفط الإيراني إلى الولايات المتحدة عند الحاجة لإتمام عمليات البيع والتسليم.
وبالفعل كانت ترجمة تلك المكاسب اقتصادياً سريعة جدا، إذ أشارت أحدث التقديرات المتداولة في الإعلام الغربي والعبري إلى أن صادرات النفط الإيرانية سجلت “مستويات قياسية”، وأن طهران حققت قرابة 3 مليارات دولار خلال أسبوع واحد فقط من تصدير نحو 36 مليون برميل. وإذا استمر هذا الإيقاع، فقد تصل الإيرادات النفطية السنوية إلى حدود 100 مليار دولار، أي أكثر من “ضعف العوائد” التي كانت إيران تحققها قبل شن الحرب المشتركة عليها.
يُضاف إلى ذلك، عودة ملف الأصول الإيرانية المجمدة إلى طاولة المفاوضات (العلنية والسرية). ورغم النفي الأمريكي للتقارير التي تحدثت عن إفراج “فوري” عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج بقيمة 100 مليار دولار، فقد أكدت تقارير ‘أكسيوس’ و’فايننشال تايمز’ أن واشنطن وضعت آلية لإعادة بعض الأموال (حوالي 6 مليار دولار مبدئيا) في خطة صاغها ‘جاريد كوشنر’ بالتنسيق مع قطر تسمح لطهران باستخدامها في شراء منتجات زراعية أمريكية، مثل القمح والذرة وفول الصويا، بالإضافة إلى أدوية ومنتجات غذائية أخرى.
أما سياسياً، فإن إيران التي خاضت الحرب وهي تواجه عزلة دولية وضغوطاً إقليمية وداخلية غير مسبوقة، تجد نفسها اليوم على طاولة مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة ندًا لند (وصف ‘جي دي فانس’ نتائج المحادثات بأنها “أساس متين لبناء البيت” وأثنى ترمب على “البلاء الحسن” لطهران في مضيق هرمز)، بينما تحظى برعاية دبلوماسية من قطر وباكستان (ودول أخرى في المقاعد الخلفية مثل مصر وتركيا)، مثلما تحظى بتعاطف “شعبي” غير مسبوق في الشارع العربي الذي وجد في جرأة صواريخها على تل آبيب ونجاحات مسيّرات وكيلها “حزب الله” في لبنان، ضالته “الرمزية” لتحدي العدوان الإسرائيلي المتوحش منذ 7 أكتوبر 2023 وكسر صلف النتنياهو الكريه.
ومن منظور إسرائيلي بحت، تبدو “المكاسب الإيرانية” أكثر إزعاجًا وإثارة للقلق. فبخلاف أن البرنامج النووي “لا يزال متماسكًا” ومخزون اليورانيوم المخصّب “في الحفظ والصون” باعتراف الخبراء والمسؤولين، وهو الذي كان على رأس الأهداف المعلنة لحرب الأربعين يومًا الأخيرة، وبرغم ما تعرّضت له المنشآت النووية الإيرانية والقواعد العسكرية من أضرار، فالمؤكد أن الحرس الثوري نجح في الحفاظ على القدرات الصاروخية الباليستية التي تقض مضجع النتنياهو وقادته العسكريين (بل إن بعض التقارير الغربية تزعم أن طهران تمكنت خلال الأسابيع الماضية في إعادة بناء بعض منظوماتها بأفضل مما كانت عليه).
وتبدو واشنطن اليوم معنية بإعادة المفتشين الدوليين إلى إيران أكثر من حديثها عن إنهاء البرنامج نفسه، وهو ما يعكس اعترافاً ضمنياً بأن الخيار العسكري لم يحقق أهم أهدافه.
واللافت أن الصحافة العبرية تنقل يوميًا انزعاج تل آبيب “الأعمق” من توجهات السياسة الأمريكية الأخيرة. فإلى جانب “المرونة” العلنية مع إيران، تمارس إدارة ترمب ضغوطاً متزايدة على حكومة النتنياهو من أجل إنهاء الحرب في لبنان والانسحاب من الجنوب ضمن ترتيبات جديدة تقوم على انتشار الجيش اللبناني في “مناطق تجريبية” تحت رقابة أمريكية ودولية، دون التزام واضح بنزع سلاح حزب الله كما كانت تصر إسرائيل وتتخذ منه ذريعةً لاحتلال “الشريط الأمني”.
ولذا، ذهب عدد من المعلقين الإسرائيليين إلى الحديث عن “تنازل أمريكي” عن الساحة اللبنانية لصالح النفوذ الإيراني. فاعتبر ‘تامير موراغ’ مراسل الشؤون السياسية بالقناة 14 العبرية أن ما يجري منذ توقيع مذكرة التفاهم “انتصار إيراني صريح على أكثر من جبهة”، بينما توقع آخرون أن يكون ذلك “نهاية” عهد ‘بيبي’ الذي ظل يراهن على استمرار الحرب وإلهاء الجبهة الداخلية بـ”نيران الانتقام” مستعينًا بالذخيرة الأمريكية السخية .. إلي أن ضحّى به كفيله البرتقالي -عندما تعارضت الأولويات- أو هكذا يبدو الأمر في هذه المرحلة على الأقل.