رؤي ومقالات

صلاح البلك يكتب :مصرخة الصياح

تبخرت الأحلام والأيام، وطارت كما الدخان بلا أثر يذكر.. كل ما جئت من أجله لم يتحقق منه شيء، سوى نوبات من الاكتئاب والملل تجتاحني وتعصف بي بين الفينة والأخرى. عقد ونيف من الزمن والمحصلة تشبه كل ما حولي؛ قاتمة هي الحياة رغم محاولاتي المستميتة للتغلب على تلك المشاعر. لم تفلح الموسيقى من ثقافات متنوعة، ولا لوحات الفنانين، ولا رقصات الفلامنجو ولا الباليه في تغيير مزاجي الدفين. لا يلحظ ذلك أحد؛ ودود أنا مع الجميع وإن لم أحبهم، لطالما آمنت أن حزني لي وحدي. أسقط في يدي، ولم أعد أملك ذلك الأمل، لن يتغير شيء. نقترب من المحطة الأخيرة، وعند النهاية تتساوى كل الأمور؛ جاذبية رائحة الورد كعفن مياه الأمطار الراكدة في شتاء تندر فيه السحب. القدرة والعجز يتشابهان، لم يبقَ غير ملامسة سن القلم ليضع نقطة النهاية، ويضع حداً لامتداد السطر الأخير.
بعض سطور الحكاية يفوح منها عبير المحبة، تنتشر، تصيب من مرّ ريح طيبة. لا تتوقف تساؤلاتي؛ الفتية الذين اعتادوا مناداتي “أبي وأبويا” لا يتوقفون عن طلب المشورة في أمور المهنة والحياة، بدت الإجابات مبهرة.
فتحي: لست في حال طيبة كما عهدناك.
أنا: ليس هناك أمر شخصي، ولكن ما أراه على الشاشات والمتداول من الحكايات يجعلني أضع يدي على قلبي؛ على غير عادتي ينتابني الخوف ويستبد بي، يتملكني كل صباح حد تمنى عدم طلوع فجر اليوم الجديد.
فتحي: إلى هذا الحد؟ اتفق معك في تقدير السوء والأوضاع المقلقة، ولكنها ليست عند الحد غير المحتمل.
أنا: بل أسوأ.
فتحي: لعلك ترى أبعد مما تراه العيون.
أشرت بيدي وهززت رأسي مكتفياً بما قلت فيما كان يغادر مقعده أمامي. الساعات التالية تسمّرت على مقعدي، لم أغادر مكتبي إلا مع انتهاء الدوام الرسمي. ركبت سيارتي لا ألوي على شيء، لكن رغبتي في العودة إلى تلك الشقة وممارسة نفس الروتين اليومي بدت غائبة تماماً. واصلت السفر على طريق الإسماعيلية لعلي أكسر ذلك الشعور؛ يجتاحني خليط من إحباط وغضب يلفهما تشاؤم، أكاد أختنق، أشتم تلك الرائحة الغريبة، شيئاً ما يحترق، لا شيء حولي! لعله بداخلي. واصلت السير، تارة مسرعاً وأخرى ببطء شديد، تتلاحق المشاهد على جانبي الطريق؛ زراعات ومباني تعقبها صحراء وقفار. تجاوزت بوابات الرسوم، وعند صخرة بدت في غير مكانها، زرقاء كأنما اصطدم بها أحدهم بسيارة من ذات اللون، توقفت. سرت عدة أمتار، توقفت، وضعت إحدى يدي عند خاصرتي والأخرى على رأسي، زاغ البصر مع الفراغ. فجأة أخذت في الصراخ، ولم أفلح في إيقافه! لا أعرف كم من الوقت استغرقه الأمر، أفقت على من يربت على كتفي:
— مالك في حاجة يا أستاذ؟
— لا شيء وكل شيء..
رجل أربعيني، مد يده مصافحاً:
— أنا دكتور حسن، ظننك تحتاج مساعدة، وقفت خلفك ولم تتوقف عن الصراخ إلى أن نبهتك.
قلت مصافحاً:
— محمود، باحث وكاتب وصارخ من صعوبة ما أحيا وغيري من الناس.
حسن:
— تشعر بالراحة بعد صراخك؟ فكرة والله! سأفعلها هنا كلما احتاج الأمر.
راح يصرخ هو الآخر، ولم يتوقف قبل أن أطلب منه ذلك. تبادلنا أرقام الهواتف، غادر كلانا وكأنما أنزل عن كاهله ثقلاً.
في المقهى المزدحم على رصيف شارع الحجاز، جلست في انتظار صديقتي التي تقيم بنفس الحي، ليس بعيداً عن هنا؛ شخصية خليط بين المرح والاكتئاب، لم أفهمها يوماً، ملامحها الراقية لا تعكس ميولها المتقلبة، اليوم على مقهى وغداً كافيه، في نفس الجلسة تتساقط مرحاً وضحكاً تتبعها وصلة بكاء وندب على حظ عاثر وحياة بائسة. قاطعتها مطالباً بالصمت دقيقة؛ على الطاولة المجاورة تحلق ثلاثة أشخاص ما بين العشرين والستين، بحماس شديد كان أصغرهم يتحدث:
— صدقوني، ساحة مسحورة على طريق الإسماعيلية، ما أن تضع قدمك فيها حتى تبدأ في الصراخ ولا تتوقف قبل أن يداهمك شعور غريب براحة لم تعرفها من قبل.
قاطعه العجوز الخمسيني:
— كلام فاضي! أي سحر وصراخ يريحني من حياة كلها مشاكل.. عايشين بالعافية وتقول لي صراخ مريح!
عاد الشاب ليقسم له أن الناس لا يتوقفون عن الذهاب إلى “الصخرة الزرقاء” والصراخ، ويدعوه للتجريب.
سارعت إلى سيارتي، دقائق كنت على مقربة من الصخرة. تراصت عشرات السيارات على جانب الطريق، امتلأت المنطقة المحيطة بالصخرة بالناس تغمرهم أنوار مصابيح سياراتهم المضيئة. لمحت سيارات الشرطة الزرقاء، كان الضابط يثبت لافتة كبيرة. ضجت السماء بالصراخ. غادرت السيارة، وأمام اللافتة غمرتني الدهشة والضابط ينضم للصارخين! على اللافتة كُتب بخط واضح: “مصرخة الصياح”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى