
الكاتب الحذق لا يكتب بحقد، ولا يجعل خصومته مع شخص أو جماعة سبباً لخصومته مع وطن كامل؛ فالكاتب الحقيقي يعرف أن العراق أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأحزاب، وأوسع من الطوائف، وأن الوطن حين يصبح في المرتبة الثانية في قلب الإنسان، تتحول الكتابة إلى سلعة، ويتحول القلم إلى موقف قابل للبيع والشراء.أقولها اليوم بلا خوف ولا مواربة: أنا لا أملك من العراق شيئاً، والعراق لم يمنحني حتى راتبي، ولم أكتب يوماً لأنني أبحث عن منفعة أو منصب أو حماية. عشت سنوات طويلة وأنا أعتمد على نفسي وعلى ما يقدمه لي بعض الأصدقاء والأخوة. وفي أصعب أيامي كان أخي وصديقي هاتف الثلج واحداً من الذين وقفوا إلى جانبي، عالجني وتابع حالتي الصحية وما زال يسأل عني ويهتم بي. وأقولها للتاريخ: في زمن كثرت فيه الشعارات، كان موقفه الإنساني أكثر صدقاً من كثير من المؤسسات التي ترفع راية الثقافة والوطن.
ومع ذلك، لم أجد أمام قلمي إلا الاتهامات الجاهزة: صهيونية، عمالة، تبعية، ارتباط بالأجنبي. وأسأل الذين يطلقون هذه الكلمات بلا دليل: لو كنت عميلاً كما تزعمون، فلماذا أعيش كل هذه السنوات بهذه الحال؟ لماذا أبحث عن ثمن العلاج؟ لماذا أعيش في بيت بالإيجار، وأحياناً أعجز عن دفع إيجاره؟ لماذا أمشي على عكاز بعد ما أصابني من ألم وانزلاق؟ لماذا أعيش مع زوجتي المريضة التي لا تستطيع حتى النهوض من مكانها، بينما أجد نفسي عاجزاً عن توفير أبسط احتياجاتنا؟العمالة لا تُقاس بالكلمات التي يكتبها شخص على شاشة، وإنما بما يملكه من امتيازات ومصالح ومواقع وأموال. أما أنا، فلم أملك سوى قلم، وهذا القلم كان أثقل من كل ما يمكن أن أمتلكه، لأنه لم يشترِ لي بيتاً، ولم يمنحني راتباً، ولم يفتح أمامي باب مؤسسة، لكنه منحني شيئاً واحداً لا أتنازل عنه: حق أن أقول ما أراه حقاً.لقد دفعت ثمناً لمواقفي. دفعت ثمن موقفي من الإرهاب، ودفعت ثمن صوتي العالي في وجه الذينول، ودفعت ثمن رفضي أن يكون العراق تابعاً لأحد. وفي أوقات قاسية مرّت عليّ، بقيت أسابيع بلا مأوى أحياناً، ولم يكن يصلني إلا ما يرسله بعض إخوتي وأصدقائي. ومع ذلك لم أذهب إلى أحد لأبيع موقفي، ولم أطلب من أحد أن يشتري صمتي.اتخذت عهداً مع نفسي أن أكتب لأوعي الناس بخطر التدخل الأجنبي في بلادي، وأن أضع العراق أولاً، لا أن أستهدف طائفة ولا مذهباً ولا شعباً. ومن يقرأ كلماتي بعين عادلة يعرف أنني لم أكتب يوماً ضد الشيعة لأنني أراهم أهلي وإخوتي، ولي معهم روابط اجتماعية ودينية وإنسانية، وقد أكلت من طعامهم ودخلت بيوتهم وعرفت فيهم رجالاً وطنيين شرفاء أضعهم فوق رأسي.أنا من عشيرة موزعة في أكثر من مكان، وفيها من الصوالح في الناصرية، والمريان، والصبيح، وفي بابل وغيرها، وهذا وحده يكفي لأفهم أن العراق لا يُختصر في طائفة، وأن العائلة العراقية أكبر من خرائط الانقسام التي يحاول البعض رسمها فوق قلوبنا.
العراقي الشريف فوق رأسي، أياً كان مذهبه وانتماؤه. ولا يمكن أن أكره عراقياً لأنه أخطأ في موقف سياسي أو انجرف خلف خطاب يعتقد أنه يحمي مذهبه. أختلف معه، نعم، وأحاوره، وأنتقد فكرته، لكنني لا أقتله في داخلي ولا أحوله إلى عدو لمجرد اختلافه معي. فالمذاهب لم تكن يوماً سبباً كافياً لقتل الأخ لأخيه، وإنما الذين جعلوا من المذهب سلاحاً هم الذين سرقوا من العراقيين أجمل ما فيهم.العراقيون عاشوا آلاف السنين في مدنهم وقراهم وبيوتهم متجاورين، يتبادلون الخبز والماء والزيارات والأفراح والأحزان. كانت أبواب البيوت مفتوحة للجميع قبل أن تأتي السياسة بخطوطها الحمراء، وقبل أن يتحول الاختلاف إلى خندق، وقبل أن يصبح المذهب بطاقة تعريف بدلاً من أن يكون شأناً روحياً وإنسانياً.وأقول لمن يظن أنني أكتب ضده: اقرأني مرة أخرى. أنا لا أكتب ضدك لأنك شيعي أو سني أو كردي أو مسيحي أو من أي مكوّن عراقي، وإنما أكتب ضد كل فكرة أراها خطراً على العراق، وأقف مع كل إنسان أراه صادقاً مع وطنه، مهما كان اسمه ومذهبه وموقعه.وأقول لمن يهددني ويتوعدني: افعلوا ما تشاؤون، لكن لا تتوقعوا أن يتحول القلم إلى ركبٍ مطيع لمجرد أن صاحبه خاف. لقد رأيت من الحياة ما يجعل التهديد أقل رعباً من لحظة العجز أمام مرض أو حاجة أو باب مغلق. عرفت معنى أن تبحث عن مأوى، ومعنى أن تحتاج إلى علاج ولا تجد ثمنه، ومعنى أن ترى إنساناً تحبه عاجزاً عن النهوض ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً.فماذا بقي لي أخشاه؟
هددوا إن شئتم، واتهموا إن شئتم، اصنعوا حول اسمي ألف حكاية، فلن أبدل ما أؤمن به. وإن سقطت يوماً، فسيسقط جسد كاتب عابر في زمن عابر، أما الحقيقة التي حاول أن يقولها فلن تموت بموت صاحبها.لم أنتمِ حتى الآن إلى مؤسسة ثقافية تحميني أو تدافع عني، ولم أبحث عن جماعة تجعل من قلمي حصناً شخصياً. ومع ذلك، ما زلت أكتب. وما يؤلمني أن مؤسسات يفترض أن تكون أبواباً للثقافة قد تضيق أحياناً أمام الكاتب المستقل، وأن صحفاً ومواقع قد تخشى نشر الحقيقة لأن الحقيقة لا تعرف المجاملة.أنا لا أطلب امتيازاً، ولا أبحث عن لقب، ولا أريد من أحد أن يمنحني شيئاً لأنني أكتب. أريد فقط أن يُترك الكاتب ليقول رأيه ما دام لا يدعو إلى قتل أو كراهية، وما دام لا يحرض على إنسان بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته.لقد تعلمت من العراق أن الوطن لا يحتاج إلى أقلام تسب الناس، وإنما إلى أقلام تنبههم. لا يحتاج إلى من يزرع الرعب، وإنما إلى من يحذر من الخطر قبل أن يتحول الخطر إلى كارثة.ولذلك فإنني أكتب ضد التبعية الأجنبية أياً كان مصدرها، وأرفض أن يكون العراق ساحة لتصفية حسابات الآخرين. لا أكره شعباً، ولا أكره دولة، ولا أحمل عداءً لإنسان لأنه وُلد في مكان آخر. لكنني أرفض أن تتحول بلادي إلى تابع، وأرفض أن تصبح إرادتها مستأجرة، وأرفض أن يُطلب من العراقي أن يصفق لمن يملك القوة، وأن يصمت حين تُنتقص سيادة وطنه.العراق ليس ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لزعيم، ولا لدولة أجنبية. العراق بيتنا جميعاً، ومن يفرط في البيت الذي يسكنه لا يربح معركة، وإنما يخسر مستقبله.
وأقول لأبناء العراق: لا تقتلوا الإنسان من أجل فكرة، ولا تحاربوا أخاكم لأن أحداً أقنعك بأنه عدوك. اختلفوا كما شئتم، تناقشوا، انتقدوا، انتخبوا، عارضوا، لكن لا تسلموا قلوبكم لمن يريد أن يحولكم إلى أدوات في صراع لا يخدم وطنكم.
المرحلة إلى زوال، وكل قوة مهما ظنت أنها باقية ستجد نفسها ذات يوم أمام صفحة من التاريخ. وما يبقى للإنسان ليس عدد الذين أخافهم، ولا عدد الذين أسكتهم، وإنما الموقف الذي سجله يوم كان يستطيع أن يصمت فاختار الكلام.فإذا كان ثمناً للصدق أن أُتهم، فليكن. وإذا كان ثمن الكتابة أن أُهدد، فليكن. وإذا كان ثمن أن أقول إن العراق أولاً أن أُحارب، فسأتحمل ذلك.
أنا لم أملك من العراق بيتاً ولا راتباً ولا امتيازاً، لكنني أملك شيئاً لا يستطيع أحد أن ينتزعه مني: انتمائي إليه.وقد أكون فقيراً في كل شيء، إلا في الكلمة.
وقد أكون عاجزاً عن دفع ثمن العلاج، إلا أنني ما زلت قادراً على دفع ثمن موقفي.فلا تهددوا كاتباً عاش عمره واقفاً أمام الحقيقة.أنا ميتٌ قبل أن تقتلوني، لأن الكاتب الذي يضع الحقيقة فوق سلامته الشخصية يكون قد تجاوز خوف الموت منذ اللحظة التي قرر فيها أن يكتب.وسأكتب ما دمت حياً.وسأقول ما أراه حقاً.
وسأبقى أضع العراق أولاً.
فالتاريخ لا يسأل في النهاية: من كان أقوى؟
إنما يسأل: من بقي شريفاً عندما كان الصمت أكثر أماناً من الكلام؟